غير مصنف

قضية المرأة بين جارية.. ووزيرة

[جريدة القبس 28/10/1992]

كان من الممكن أن تكتمل مسيرة الوطن الديمقراطية.. بإشهار أول وزيرة كويتية.. خاصة وأن الوطن يزخر بمن هن في مستوى مسؤولية الحقيبة الوزارية.. وبعد أن شاركت المرأة الكويتية في كل إنجاز للوطن.. حتى في مسيرة التحرير ومقاومة ظلم جنود نظام بغداد.. فكانت أول مظاهرة تنديد بجيش الاحتلال بقيادة وتنظيم المرأة الكويتية.
والمطالبة هنا بتعيين وزيرة كويتية.. ليست خوضاً من جديد في حقوق المرأة السياسية – فتلك حقوق نأمل أن يتبناها مجلس الأمة الحالي – وإنما هي إعادة نظر في حقوقها الوظيفية المهضومة، فالمتمعن في إدارات الدولة.. لن يجادل في حقيقة استحواذ الموظف الرجل على أغلب المراكز القيادية.
وقد يقول قائل هنا أن مسيرة الرجل الثقافية في هذا الوطن قد بدأت قبل المرأة بكثير.. مما يجعل تصدره للوظائف القيادية أمراً طبيعياً.. وهو واقع لا جدال فيه.. إلا أن مسيرة المرأة التعليمية وإن بدأت متأخرة إلا أنها قد أدركت الرجل في مجالات كثيرة.. وأصبح إنجازها منافساً للرجل مما جعل إدارات حكومية كثيرة تختلق العراقيل.. لتحول دون وصول المرأة إلى مراكز أصبح متعارفاً على أنها مناصب محظورة إلا على الرجل.. أو بأنها لا تناسب طبيعة المرأة التي خلقها الله عليها.. ولعل أقرب الأمثلة التي تحضرني هنا.. واقع المرأة العاملة في وزارة الخارجية.. فبالرغم من عدم وجود ما ينص على منع المرأة من وظائف السلكين الدبلوماسي والقنصلي.. إلا أن إجراءات التعيين في وزارة الخارجية تدرج موظف الخارجية الرجل تحت قانون السلكين.. بينما تكون موظفة الخارجية المرأة تحت قانون الوظائف المدنية العام.. مما يحجب حقها في التدرج الوظيفي الدبلوماسي أسوة بالرجل.
وهناك الكثير من الوظائف المحظورة على المرأة في هذا الوطن.. وما مثال وزارة الخارجية إلا واحداً منها.
فعلى الرغم من أن المرأة قد أثبتت كفاءتها في الأداء.. وذلك بشهادة رؤسائها في العمل.. والمراجعين من المواطنين.. بل وأنها أبدت كذلك إخلاصاً وتفانياً في إنجاز العمل يفوق بكثير إخلاص الرجل وتفانيه.. وذلك ليس تحيزاً بل واقعاً يمكن التأكد منه بمتابعة إنجاز الطرفين. وبالرغم من كل ذلك إلا أننا ما زلنا نشهد في هذا الوطن من يشكك في قدرات المرأة على خوض مجالات معينة.
حقوق المرأة الوظيفية في هذا الوطن.. هي جزء من كل حقوقها المنقوصة في عالمنا العربي. وإن كانت قضية المرأة إجمالاً هي من القضايا الرئيسية التي ما زالت تستجدي الحلول.. والتي تعاني منها المجتمعات المتخلفة والمتقدمة أيضاً.
قضية المرأة في عالمنا العربي ليست قضية خلاف بين الرجل والمرأة.. ولا هي بقضية حقوق سياسية ووظيفية فقط.. وإنما هي قضية تراكمات اجتماعية ودينية وتاريخية ساهمت المرأة بنفسها على ترسيخها وإبقائها.. وهي كذلك قضية وعي وإدراك من المجتمع بشقيه لما تتطلبه عملية البناء الاجتماعي من تضافر لجهود الطرفين والمشاركة في عمليات الإنتاج والنضال الوطني والاجتماعي.
لم تستطع المرأة العربية حتى الآن أن تتصدى لكافة أشكال الظلم الاجتماعي الواقع عليها.. فلا زال التصور الوحيد المتفق عليه للمرأة.. هو في إطار بيت الزوجية ومن خلال أداء مهامها كأم وربة أسرة.. وبالرغم من سمو تلك المهام.. إلا أن أي تجاوز عن ذلك الإطار أو خروج عنه.. يضع المرأة في خانة العضو غير “المثمر” ومن ثم غير الفاعل في المجتمع.
والغريب في ذلك أن هذا التصور.. يتم بمباركة المرأة نفسها.. وبإقرارها بذلك التصنيف.. والهروب منه إلى أول تجربة زواج تضمن لها البقاء كعنصر فاعل في مجتمعها، والمشكلة هنا بالطبع ليست في الزواج نفسه.. وإنما من كونه الهدف الذي يجب أن تبلغه كل امرأة.. ثم بتحوله إلى الوضعية التي يجب المحافظة عليها.. مهما كانت أخطاؤها ومساوئها.
تعمل المرأة في عالمنا العربي إجمالاً.. على الإبقاء على مشاكلها الاجتماعية معلقة.. وذلك بسلبيتها المتمثلة في عدم المشاركة الجدية في مناقشة وحل تلك المشاكل.. والاستسلام لما قدمه مجتمع وثقافة الرجال من حلول.
ويحضرني هنا حديث لسيدة اقترن زوجها بامرأة أخرى.. وما أبدته في حديثها من دفاع مستميت من أن زوجها لم يخطئ بحقها.. وإنما كان يمارس حقاً من حقوقه التي كفلها له الإسلام.. وعلى الرغم من أن ذلك الزوج لا ينطبق عليه أي شرط من شروط التمتع بأخرى.. فالزوجة جميلة وذات دين وولود!! وقبل أن يهم البعض في الدفاع عما أقره الدين من حقوق.. عليهم أن يعودوا إلى الشروط التي وردت في الآيات القرآنية الكريمة للحد من سواء استخدام ذلك الحق.. أو إلى الأحاديث النبوية الشريفة التي أرست أسس العلاقة الزوجية ونظمت البناء الأسري بما يكفل للمرأة حقها وكرامتها.
قضية تعدد الزوجات ما هي إلا قضية واحدة من قضايا المرأة الكثيرة والتي تتطلب مزيداً من الضوابط المجتمعية لكونها تعدياً على حق من حقوق المرأة.. وهو حق الشعور بالأمان والاستقرار العائلي تماماً مثلما خلقت المجتمعات السابقة ضوابط لحق امتلاك المحظية أو الجارية على الرغم من وجود نص قرآني صريح بذلك الحق عملاً بالآية الكريمة “وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ”.
لقد جاء هذا التخلي عن حق امتلاك المرأة المحظية كرد فعل طبيعي لعمليات التغيير الاجتماعي في المجتمعات وما نتج عنه من تغيير في بنية المجتمع الأساسية إضافة إلى استغلال المرأة اقتصادياً بعد أن ارتادت مجالات العمل المختلفة وعملية التغيير تلك جاءت بتضافر جهود المرأة والرجل معاً وليس بقرار تطوعي من الرجل.
قد أكون ابتعدت قليلاً عن مرمى المقالة وإن كنت لم ابتعد عما للمرأة من حقوق وما وقع ويقع عليها من ظلم فحقوق المرأة الوظيفية لا يمكن أن تكون واقعاً دون أن تحصل على حقوقها السياسية، وحقوقها الاقتصادية لا يمكن أن تحصل عليها دون التأكيد أولاً على حقوقها الاجتماعية، فمهما اختلفت الأولويات تبقى المرأة هي وحدها القادرة على خلق واقع مشاركتها الحقيقية الفاعلة في كافة المجالات اجتماعية كانت أم سياسية، ولعل تجربة ارتياد المرأة للمقار الانتخابية في هذا الوطن لا زالت حاضرة وما فرضه واقع حضورها من التزام أغلب المقار الانتخابية على تخصيص أماكن حضور للسيدات.
مطالبة المرأة بحقوقها في هذا الوطن أياً كانت تلك الحقوق.. وظيفية أم سياسية.. هي جزء من قضية تحرر المرأة بشكل عام. وهي قضية لم تحظ بعمل جدي حتى الآن.. وبقيت مظاهرها شكلية فقط.. وإنجازها قصراً على الجمعيات النسائية المخملية والتي حظت رائداتها قدر ضئيل من التحرر الظاهري مكنها من التحرك في إطار قوانين الرجل.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى