غير مصنف

قضايا بلا عمر

[جريدة القبس 12/6/1995]

تضمنت فعاليات منتدى “الوضع الراهن للمرأة الكويتية والنظرة المستقبلية” حلقة نقاشية بين الكبار والشباب.. في حوار مثير وشيق بين جيلين، يمثل كل منهما مرحلة زمنية وحقبة وراثية تركت بصماتها واضحة في المجتمع!! وعلى الرغم من أن الحوار قد اتسم بطابع الفصل بين المجتمعين.. حيث جرى تصنيف حاد للمتحاورين قسموا على ضوئه إلى مجموعتين تمثل كل منهما جيلاً ومرحلة ثقافية منفصلة، إلا أن الحوار قد عكس ولا شك تطابقاً ملحوظاً للقضايا التي كانت ولا تزال هي الأكثر إثارة.. وحضوراً في عالم هذه الشريحة المجتمعية الأكبر!!
من القضايا التي طرحها المنتدى ما يتعلق منها بمقومات الثقة المتبادلة بين الجيلين، وبكونها مفقودة بالنسبة للنشء الجديد.. حيث لا يبدو أن الجيل الأكبر يولي شيئاً منها للقادمين الجدد للمجتمع في مقدرتهم على مواصلة مسيرة الوطن نحو تحقيق غد أفضل!! وتلك ولا شك قضية عالقة لا تخص الجيل الجديد وحسب.. فأزمة الثقة بالقدرات أضحت أزمة وطن بأجياله على اختلافها الثقافي والعمري!! وهي أزمة يفرضها الواقع من حولنا.. بنواحيه المختلفة.. سواء كانت اقتصادية أم سياسية أم كانت اجتماعية!! فمما لا شك فيه أن الثقة بالمقدرة، أو الاستطاعة على العطاء، تكتسب ولا توهب!! وذلك منطق واضح تعززه حقائق كثيرة من حولنا!! فمن حقي كمجتمع أو دولة أن لا أوليك ثقتي فيك وبقدراتك!! ومن حقك كفرد أن تسعى لنفي زعمي ولإبطال تصوري!!
فالثقة وإن كانت من أهم مقومات البناء المجتمعي، إلا أن احتمال التلاعب في مغزاها وأهدافها يجعل اعتمادها كمقياس للعلاقة أمراً حرجاً تماماً، مثل اعتماد أي من العناوين الرئيسية لمبادئ الأخلاق العامة.. لتكون فيصل العلاقة!! وإذا كان من حقي وفقاً لما سبق ذكره أن أحجب عنك ثقتي، وليس من الحق ذاته أن تلتمس مخرجاً لذلك من خلال إثبات العكس بالعمل والعطاء!! فإن الثقة بالفرد تكون مرتبطة ارتباطاً مباشراً بجديته في العطاء والإنتاج، وتلك قضية تعاني منها كل الأجيال قديمها وحديثها.. ممن تقلص لديهم دافع العطاء والإنتاج مع تفجر الثروة والمال وتلاشي دافع الحركة والعمل!!
الثقة والإنتاج وجهان للشيء ذاته!! وجميعنا – ولا شك – ضحايا لذلك المفهوم الخاطئ للإنتاج ومردوده النفسي والمجتمعي!! نقول ضحايا.. ولا نقول مرفهين ومعززين بذلك الكم الهائل من مقومات الرفاه والراحة والكسل والتخمة!!
فأهمية الإنتاج وحساسيته بالنسبة لأي مجتمع بشري لا تكمنان في مردوده المادي المحسوس وحسب!! وإنما أساساً في مردوده النفسي والروحي، الذي وإن بدا غير محسوس إلا أنه حاضر بيننا في هذا الوطن.. ومسؤول مباشر عن كثير من مشاكلنا اليومية والعملية وأزماتنا النفسية والأخلاقية!! وبهذا فهو يقودنا إلى قضية أخرى أثارها المنتدى وهي قضية “الهوية”.. أو إن شئنا أسميناها المردود النفسي للإنتاج!!
فمن خلال بحثنا اليومي عن هويتنا كجيل، أو عن مشروعية علاقتنا بالعالم والمجتمع من حولنا، نطرق أبواباً كثيرة، ونتوه في سراديب مغلقة، لنعود في آخر المشوار إلى السؤال ذاته.. سؤال الهوية، والذي على بداهته، يضيع في سبيل البحث فيه وعنه الكثير من الشباب… تتلقفهم أيدي الضياع.. وتؤويهم ملاجئ الفساد، وأساليب قضاء وقت الفراغ واللاإنتاج!
الهوية – إنتاج، ليست – بذلك – إعلاناً تجارياً، ولا لافتة نرفعها في زمن الأزمات ساعة القلق!! وإنما هي حقيقة بنت مجتمعات كثيرة وجودها، من قبلنا، عليها، وخلقت بتلك الحقيقة وحدها أفراداً ومواطنين أحراراً من القلق والخوف والضياع واللاهوية!!
الثقة والهوية قضايا بلا عمر، لا تقتصر على جيل دون آخر، وإن كانت مسميات مختلفة لحالة واحدة وهي الإنتاج!! ليس بالضرورة أن يكون الإنتاج رائداً ولا اختراعاً فريداً!! فلن يستطيع المجتمع بأكمله أن يجلس في المقدمة!! فقد تكون قراءة مفيدة إنتاجاً، وقد تشكل بذرة شجرة إنتاجاً!! فلقد استطاع طفل في الروايات أن ينقذ قرية بأكملها من الموت غرقاً.. حين حبس بأصبعه الصغير شرخاً في سد القرية!! وما الروايات سوى حقائق مضت على مجتمعات وشعوب كانت مثلنا تماماً!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى