
شهر رمضان شهر عبادة وصيام وصلاة وقرآن، وهو كذلك أصبح شهرًا للسباق الدرامي، والفعاليات الترفيهية، والملابس المميزة، والمأكولات المخصوصة، والزيارات المكثفة، كل شيء مختلف في رمضان سواء كان ذلك على المستويين الروحاني والديني، أو على المستويين الحسّي والدنيوي.
مسلسلات رمضان متنوعة وقادمة من الدول العربية، ولأن أغلبها، إن لم يكن كلها، يسير على هامش الأحداث، ولا يتناول لا من قريب ولا من بعيد قضايا من صميم هموم المجتمع العربي، كالصراعات العالقة، والحروب المدمرة، والنكبات المتواصلة، فقد خلت كل تلك المسلسلات وتقاعست عن نقل معاناة غزة أو حتى تصويرها، ولو عن بُعد، من خلال أعمال درامية تعزز الذاكرة المتابِعَة وتُنهِضها، وبشكل عام فإن الأعمال الدرامية المرتبطة بالأحداث السياسية والحروب الواقعة هي شبه نادرة، ربما لأسباب سياسية أو لتكلفة فنية أو مالية، لا أحد يعلم، وباستثناء بعض الأعمال، مثل مسلسل «قبضة الأحرار» منذ ثلاثة أعوام، وهو مسلسل رمضاني يحاكي قصص صمود غزة، باستثناء مثل هذه المسلسلات النادرة، فقد غابت غزة وحربها ومقاومتها ونضالها عن أي عمل درامي، رمضانيا كان أم لا، وذلك عبر الفضائيات والمنصات العربية كلها.
المقاومة ليست سلاحاً فقط، ولا بندقية لوحدها وقد قالها يوماً ياسر عرفات مؤكداً أن الثورة ليست بندقية ثائر فحسب، بل هي معول فلاح، ومشرط طبيب، وقلم كاتب، وريشة شاعر، في إشارة هنا إلى أهمية كل الأطراف ومن كل المهن في دعم فِعْل المقاومة ورفض الحروب، ودعم العدالة والمساواة، وهو الدور الذي من الواضح أن صناعة السينما والدراما في العالم العربي قد تقاعست عنه، وتجاهلته لأسباب بعضها معروف وبعضها الآخر مجهول، فالمسلسلات الرمضانية تشعبت واقتحمت كل مشكلات الواقع العربي، واستعرضت البطالة والفقر ومشاكل الزواج والأسرة وقضايا المخدرات وغسل الأموال وغيرها، فيما عدا قضايا المقاومة والحروب والصراعات الدائرة في المنطقة على مدى عدة عقود.
واليوم، وفي ظل التطورات التي أفرزها العدوان الجائر على غزة ولبنان، كان الأمل في أن تخرج المسلسلات الرمضانية من حالة الانحدار الدرامي المخيف، وتستلهم من الواقع شيئاً من المحتوى الذي ربما يرتفع بمستواها بعد حقبة طويلة من التراجع، عبّرت عنها الفنانة والإعلامية نجوى إبراهيم حين علّقت على مشاهد وحوارات من بعض ما تبثه تلك المسلسلات، وكيف أن الأداء واللغة والحوار تدنى مع تدني المحتوى الأدبي وسيناريو الدراما.
الدراما الرمضانية تفضّل مسلسلات مثل بيت حمولة، أم 44، وإش إش، والأخير يستعرض كواليس عالم الرقص الشرقي، ويرصد كيف انتقلت المهنة من جيل إلى جيل من خلال قصة حياة إش إش، وللإنصاف فإن المسلسل يحمل طابعاً اجتماعياً تشويقياً مع قيمة فنية لبعض الممثلين المشاركين.
لكننا وكعالم عربي، في منطقة ملتهبة لا تدور الحياة فيها وفقاً لظروف وحياة إش إش فقط، بل أصبحت الساحة اليوم مزدحمة بمئات القصص المُلهِمَة، والتي كان يُفتَرَض حضورها في سباق الدراما الرمضانية هذا الموسم بالذات، وكان من المُفتَرَض أو المتوَقّع أن يتطرّق بعض كتاب السيناريو والمنتجين والممولين إلى واقع جديد فرضته متغيرات سياسية وعسكرية واقتصادية استثنائية في تاريخ المنطقة.
العائق بالطبع وكالعادة، أن إش إش يُدر دخلاً مجزياً، ويستقطب الشركات للإعلان أثناء بثه، بينما أفلام، مثل فيلم «فرحة» الذي تناول نكبة 1948، ومسلسل «قبضة الأحرار»، لا تدر مالاً كافياً، ولا تغري شركات الإعلان.
الفن رسالة، تروي الفرح كما المعاناة، وهو رسالة تحمل سمات مثالية، فلم يحدث عبر التاريخ أن جمّل الفن دكتاتوراً أو طاغية، فإن خرس الفن عن قول الحق، أو تقاعس عن رصد الأحداث من حوله، فإنه حتمًا سيسقط في مستنقع الانحطاط والتردي، ويجر معه المتابعين من الجماهير وهذا بالتحديد ما يحدث فنيًا اليوم.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:قصة-إش إش-السباق الدرامي-نجوى إبراهيم-صناعة السينما
