شئون عربية

قصة ثورتين

قصة ثورتين

على وزن رواية تشارلز ديكنز “قصة مدينتين”، تأتي الأحداث في مصر لتطرح قصة ثورتين؛ ثورة الخامس والعشرين من يناير وثورة الثالث والعشرين من يوليو!
ثورة يوليو قام بها الجيش وأيده الشعب، وثورة يناير قام بها الشعب وأيده الجيش، الأولى كانت ضد الاحتلال الإنكليزي، والثانية ضد اغتصاب واحتلال موارد البلد من قبل حزب حاكم! كلتا الثورتين كانتا ضد التوريث سواء بردائه الملكي أو بزيه الجمهوري! ثورة يوليو اعتمدت السرية في تشكيلها، والاستخبارات في إتمامها، أما ثورة يناير فقد كانت علنية ومفتوحة بفعل تكنولوجيا الاتصالات!
هنالك تاريخ طويل وحافل بين الثورتين، داهمت فيه الحروب والصراعات كل أرجاء المنطقة. وانقسم الناس بين مؤيد لخط ثوار يوليو ونهجهم ومعارض لانتهازية بعضهم! ومع سقوط آخر ثوار يوليو يطرح الكثير تساؤلاً حول الأسباب التي كانت وراء نجاح الثورة!
وبخلاف كونها – أي ثورة يوليو – قد قاومت الحكم الملكي المستبد، ووهمية النظام الديمقراطي ودكتاتورية الأحزاب، بخلاف كل هذا، فإنها كثورة استمدت جزءاً كبيراً من نجاحها من كاريزما الراحل جمال عبدالناصر ونهجه الوطني وماضيه الكفاحي، فكان التفاف العالم العربي بأكمله على ثورة يوليو وتأييده ودعمه لها، بل وتفجر ثورات عربية أخرى بفعل ثورة يوليو!
الراحل عبدالناصر لم يكن قائداً وحسب، وإنما كان زعيماً في كل بيت عربي، ولم يخلُ أي مسكن أو مقر عمل في أي دولة عربية من صورة أو مجسم لجمال عبدالناصر، ومع ذلك فقد عجزت ثورة يوليو عن أن تحقق بمفردها الإصلاحات المطلوبة في مصر، ولم يطرأ النمو المتوقع ولا التنمية التي انتظرها الشعب العربي بأكمله!
اليوم، والثورات العربية تشق عنان الأفق العربي، نسترجع ثورة يوليو كونها الثورة الأهم في التاريخ العربي المعاصر، ونتذكر أن الثورة لا يمكن أن تحقق أهدافها ولا أن توفر إصلاحات إذا ما قامت على كاريزما فرد وليس على أجندة عملية حقيقية قابلة للتطبيق!
الثورات العربية اليوم تحمل أجنداتها الإصلاحية، لكنها ترفض أن تنصِّب رموزاً مهما كان شأنهم! الثورات اليوم تعلمت الدرس أخيراً من ثورات الأمس، وخلاصة الدرس تقول: إن الإصلاح لا يكون إلا برسم المسار ووضع البرنامج أولاً، وتلك عقلية عملية وبراغماتية يتصف بها الشباب اليوم بعكس شباب الأمس الذين تحركهم العواطف والخطب الحماسية والأغاني والأشعار الوطنية!
بين الثورتين، نضج الشعب العربي وبشكل واضح، وأصبحت العودة إلى الوراء ضرباً من المستحيل، ولم يعد للثورات رموز ولا شخوص، بل برامج عمل محددة وواضحة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى