الأرشيف

قصاصات من زمن الغدر

[جريدة القبس 11/6/1992]

كان يوماً من أيام الصيف العادية.. وكانت شمس آب تصهر الوطن في جوفك.. وأنت عائد من يوم عمل طويل.. تتلقف أذناك الأخبار الآتية من مذياع سيارتك.. بأن المباحثات قد علقت في جدة.. وبأن الفلول الرابضة في الشمال قد أصبح لها مخالب تبحث عن فريسة.. ولكنك تطرد الهاجس الشرير أن يتمكن من رأسك.. فدم الأخوة منكر.. وعرضهم رجس.. وأرضهم حرام.. هكذا علمك الإسلام.. وهكذا أكدت لك مؤتمرات العروبة.. ومواثيق الجيرة.. وعهود الجوار؟ ولذلك كله لم تأبه بما كان يردده أعلام الغير.. وكان آب.. كعادته كل عام.. بلهيبه وشمسه المحرقة.. ليس سوى يوم من الأيام يزج بحريقه الناس لترتاد الأماكن.. تعانق البحر.. تركض فوق التراب.. تضحك.. وتعيش يومها كباقي الأيام.
وحدها صرخة الفجر.. جعلت من آب كارثة.. ووحده عار العروبة في ذلك اليوم من آب جعله قصة تتناقلها الأجيال بعد الأجيال.. كان الفجر بالكاد يحبو.. حين مزقت السكون رجفة شديدة خلتها يوم نفرة القبور… سبقتك إلى الهاتف لهثات أنفاسك.. ورددت الجدران صدى ارتطام الدم على جدار قلبك.. وجاء صوت يخبرك أن الأغراب قد أصبحوا في عقر الدار.. وأنهم قد تسربوا كالوباء.. والليل منهم في ذهول.. وأن الساقطين يتوعدون.. وينكلون.. ويقتلون.. ويسلبون الأرض.. والتراب.. والنهار وكل شيء. صعقتك الأخبار والأحداث لفترة لا تعرف مداها.. قبل أن تجدك وقد أصبحت في قلب الشوارع.. تتلقف الأحداث مشدوهاً.. تقذف بك في فوضى يتلعثم في وصفها الكلام.. والغارقون في دمائهم أدموا أرصفة الحزن في الشوارع.. وصراصير الظلام غاصت في وحل العار.. وسقطت من عهدة التاريخ. تأملتهم والذهول يسكن ناظريك.. وصمت العروبة يجثم على صدرك.. ويكتم أنفاسك.. وأنت في جوفك آه طويلة.. كانوا غزاة يا عرب.. لكنهم ما كانوا زرق العيون..
(القصاصة الثانية)
مرت ساعات طويلة لا تدري كم كانت.. قبل أن تنتفض وتنفض عن كاهلك دهشة الوجع الطويل.. وحرقة الألم والحزن المرير.. وامتطيت صهوة إيمانك وعزمك.. وكانت لك الخطوة الأولى.. كانت لك الطلقة الأولى.. وعلى درب التحرير أنت بنا بدأت، خرجت لترد قطاع الطريق.. وخنجرك يسكن في معصمك.. والوطن يرقد بين أضلعك.. خرجت لهم من لهيب الشمس.. من رطوبة البحر الخانقة.. من التراث.. ومن سكون الليل الموحش. كنت الطبيب.. والمهندس.. كنت عامل القمامة.. وصانع الخبز.. كان لك طعم آخر.. ووجه آخر تحت شمس النهار.. وكنت الغضب.. كنت الحكم.. كنت الثواب.. وكنت العقاب.. كنت العدل.. في هدأة الليل.
كان حبك جريمة يلاحقها الطغاة.. كان غضبك تهمة عقابها الإعدام.. لكنك مع كل هذا وذاك.. قتلت الصراصير التي تعشش في الظلام.. قتلتها عند سيطرات الخزي.. حاصرتها في قرين الكرامة.. وعريتها في سرقات العار.. وتناقلت أجهزة الإعلام قصيدة عشقك للأرض.. وتحدثت كل بقاع الأرض عن حبك الممزوج بالجرح والدم.. وروى التاريخ عنك ووطنك الصغير.. وبأنك لست بئر بترول كبيراً بل غضباً هادراً يعصف رغم القتل.. والسفك.. والقهر والألم المرير.
ألقوا بك في غياهب السجون كثيراً.. وأعدموك مراراً أشعلوا النار في عينيك.. وصبوا عليك وجع التاريخ وأحزانه ومات أخوك بطلقة سددها إلى صدره وغد من اللقطاء.. وأضرم النار في دارك لص من الرعاع.. وأنت تشتعل من رأسك حتى قدميك بمعركة الأرض والبقاء.
وبعد سبعة أشهر طوال من التغرب في الوطن.. وبعد أن نصبوا المشانق فوق أرصفة الحزن.. بعد أن طق الإرهاب صدرك.. وبعد أن جروا أطفالك وشيخك ونساءك إلى أقبية المخابرات.. وبعد أن طمسوا الشوارع وأصدروا البلاغات.. أصدر الله حكمه بالفناء.. وملأت طير الأبابيل السماء.. وحل القضاء.. ورحت أنت تتحسس ما بقي منك.. ومن الموطن العظيم.. وسرى في عروقك دفء الفرح.. وأنت تزرع قدميك الحافيتين في جوف التراب.. ونمت ليلتها كما لم تنم.. وبين جنبيك يسكن الوطن.
(القصاصة الثالثة والأخيرة)
انقضى زمن القبح.. وأسدلت الحرب ستارها.. وبزغ زمن النصر..كنت أنت تجوب الشوارع تغتسل بدموع المطر.. وبدت لك السماء كأرحم ما تكون.. تغرقك بشلال من الأمطار.. فلربما غسل العار.. والهموم.. والماضي القبيح.. ورأيت أخاك الشهيد وقد طالت قامته حتى جاورت السماء.. ورأيت الأسير برغم الألم الذي يعتريه.. يطل بفخر على ساجنيه.. ورأيت الكويت ترفل بزيها الوطني.. وكانت الصحافة والدنيا كلها هناك.. تلتقط الصور لك وللوطن الوليد.
ومن بعيد.. جاءت أصوات خلت أنك نسيتها.. فرحى هي بعودة الوطن كما أنت.. هي قطعاً لم تهب الدم مثلما أنت وهبت!! لكن الوطن يسكنها مثلما يسكنك أنت.. جاءت من ألم الغربة والضياع.. جاءت لكي تصحح التاريخ وتبرئ الأوجاع.. لكن عشقها للوطن.. ليس كعشقك.. فعشقك أنت أصبح معمداً بالدم وبالجراح.. بأنين المفقودين.. وبدفء دم أخيك المباح.
جاءت الأصوات تسألك عن حريق دارك.. ودم أخيك.. وقبر أبيك.. تسألك الصبر والثواب.. وتعدك بجنات عدن وحسن الجزاء.. فعذرتها كل العذر.. وحدثتها عن الوطن القادم.. من جوف القهر.. وطن مختلف الملامح.. وطن يرقد فيه الشهيد.. ويرقبه الأسير.. وطن أسمع الدنيا صدى العزم الكبير.
عذرتها كل العذر.. فلو أنها خرجت إليه كما خرجت.. ولو أنها بدمائه غرقت كما غرقت.. ولو أنها فوق ترابه حفيت كما حفيت.. لكن الأصوات ظلت على ما عهدت.. تدخن الليل.. تقتل الوقت.. تسرق الحب.. وتدمن قتل الأمل.
ورحت أنت تصرخ وتنعي لها نهار الوطن.. تناشد الشهيد الصفح عن دمائه الرخيصة.. وتنشد الأسير الصبر في أصفاده الثقيلة.. تجوب شوارع الوطن بحثاً عن الحقيقة.. فها هنا المرابطون رابطوا.. وها هنا الشهداء نزفوا.. وها هنا الأسرى كُبَلوا! وهنالك تحت الثرى.. ترقد الحقيقة.. ففي جسد الشهيد حتماً.. سنجد الحقيقة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى