قرار السلام!

قرار السلام!
تحرر الجنوب اللبناني، وتدافع عشرات الآلاف من اللبنانيين للاحتفال بتحرير الجنوب!! وخطب فيهم السيد “حسن نصر الله” أمين عام “حزب الله” كما لم يخطب من قبل مؤكداً للجماهير الغفيرة وبنبرة لم تخلُ من التأثر قائلاً: “إن لبنان الجديد قوته في صموده وجبروته ورفعته وعصيانه على كل الأعاصير والعواصف. ولبنان الجديد هو وطن للعيش المشترك الحقيقي”، لكن الجنوب المحرر أصبح يطرح أسئلة واستفسارات كثيرة! بعضها يتعلق بلبنان كدولة وكشعب، والبعض الآخر يتعلق بالآثار المباشرة لتحرير الجنوب على دول عربية وغير عربية!! ولقد عبر السيد “نصر الله” عن بعض الإشكالات التي قد يثيرها تحرير الجنوب وذلك حين أشار في حديثه بمناسبة التحرير قائلاً: “يجب على اللبنانيين أن يعرفوا أن خياره يجب أن يكون خياراً وطنياً، ألا يخطئوا بالحسابات الطائفية فتؤدي بهم إلى إسرائيل. وأن مصلحة كل الطوائف في لبنان أن يكون خيارها وطنياً ومن مصلحة كل الطوائف في لبنان أن يكون خيارها عربياً، هذه هي الحقيقة.
إن المشكلة التي أصبحت أكثر تعقيداً مع عودة الجنوب هي فيمن يملك زمام الأمور في هذه المنطقة. وهل تعني عودة الأرض عودة للسلطة أيضاً؟! أم تستمر الأرض اللبنانية، وكما كانت طوال سنوات الحرب، ساحة لتصفية الحسابات الحزبية والسياسية!! قد لا يتضح ذلك بعد، خاصة وأن الجميع يعيش نشوة التحرير وفرحة خروج الإسرائيليين من الأرض!! لكنه يبقى أمراً حساساً ومهماً خاصة بعد أن عانى ما عانى لبنان من تدمير بشع في بناه الأساسية وفي بنيته السياسية والاجتماعية، ليدرك الجميع وبعد كل هذه الأعوام أن الحرب لم تكن حرب لبنان أبداً، وأن الذين كان بأيديهم إشعالها، جاء بأيديهم كذلك إخمادها وإطفاؤها!! وأن معركة لبنان الحقيقية قد بدأت من تحرير الجنوب ولم تنتهِ به!!
إن مقومات “الحرب” التي أشعلت لبنان طيلة هذه الأعوام لا تزال قائمة، وتنطلق دائماً مع كل تصريحات المسؤولين والساسة. ففي تعليق لوزير الخارجية السوري فاروق الشرع يقول فيه: إنه لا يعود إلى الأمم المتحدة نزع سلاح “حزب الله” الذي هو حركة مقاومة؛ موضحاً أن الشرطة اللبنانية ستنتشر في المنطقة التي أخلاها الجيش الإسرائيلي!! غير أن السيطرة اللبنانية التامة على الأرض الجنوبية لا تبدو قطعية ومؤكدة في تصريحات الساسة اللبنانيين!! ففي تصريح لرئيس الحكومة سليم الحص حول ما ستفعله الدولة حيال الطريقة التي يتبعها “حزب الله” في حفظ الأمن في المناطق حالياً، قال: إن الحزب يتمتع بقيادة مسؤولة وواعية جداً حيال مجتمعها. ومن المؤكد أنها ستتعاون مع قوات الأمم المتحدة ومع السلطات اللبنانية المركزية!!
لا أحد يعلم بعد كيف سيتمكن لبنان من تتويج الانسحاب الإسرائيلي من جنوبه.. بمزيد من الاستقلالية والسيادة!! وإن كانت كل المؤشرات الراهنة تقول إن ذلك لن يكون أمراً سهلاً على الإطلاق!! خاصة بعد أن فتح تحرير الجنوب ملفات كثيرة تتعلق بالمتحاربين فوق أرضه!! ففي تقرير بثته وكالة أنباء رويترز ما يشير إلى بعض من تلك الملفات أهمها احتمال تتويج إيران لانتصار “حزب الله” في الجنوب كأنجح المغامرات في السياسة الخارجية لإيران منذ قيام الثورة الإسلامية وأن إيران قد تواجه مشاكل وتوتر مع حليفتها سوريا في محاولة لتحويل مكاسب “حزب الله” في ميدان المعركة إلى قوة أكبر في لبنان!!
كما ذكر أحد الباحثين في شؤون الشرق الأوسط في لندن أن مسؤولاً كبيراً بالحكومة الإيرانية أبلغ أن طهران تريد حصول “حزب الله” على ضمانات بنصيب رئيسي في السلطة في بيروت قبل أن يلقي السلاح.
كما ذكر بأن ذلك المسؤول الإيراني حدد أربعة أهداف لإيران، فهم يريدون اعترافاً بأن “حزب الله” الممثل الشرعي الوحيد للشيعة في لبنان، ويريدون إعطاء الشيعة نصيباً في المؤسسات اللبنانية يتفق مع عددهم بين سكان لبنان ويريدون أيضاً عدم نزع سلاح “حزب الله” لمدة خمس سنوات على الأقل ويريدون أن يتولى “حزب الله” حماية الأراضي اللبنانية على الحدود مع إسرائيل!!
كثيرة هي لا شك إفرازات حرب امتدت أعواماً وطالت أطرافاً عديدة لكن لبنان الذي أصبح مشبعاً بعنف التجربة ومراراتها قادر أن يبني من أطلال تلك المعارك والحروب كياناً سياسياً واقتصادياً قوياً ومتمكناً وأن ينسلخ من أوهام الطائفية والعنصرية التي حاول الآخرون بثها وإحياءها في الجسد اللبناني لكي يمارسوا من خلالها حربهم وصراعهم. فالصراع الطائفي عادة لا يخمده قرار بإنهاء الحرب، وكما حدث في الحالة اللبنانية التي سرعان ما امتزجت طائفياً وعنصرياً حين علّق المتحاربون قرار الحرب ورفعوا قرار السلام!! تجربة لبنان تجربة ثرية جدير بلبنان وبالعرب استيعاب فصولها جيداً لكي يسود قرار السلام ويخذل كل قرارات الحرب والدمار البشعة!!
