
أثار الحكم الصادر بحق رئيس تحرير جريدة “القبس” بالسجن ستة أشهر مع النفاذ. وإغلاق “القبس” و”السياسة” أسبوعاً، أثار الكثير من الجدل. ليس بسبب الحكم الصادر، وإنما لأن المسألة طالت الحريات العامة التي طالما اعتد المواطن بها، بحيث كانت معلماً من معالم الفخر له والاعتزاز.
فنحن جميعاً، بمن فينا رئيس تحرير “القبس”. نرفض التعرض للذات الإلهية، ونحرص على الحفاظ على قدسيتها التي لا تُمس.. وإذا كانت وزارة الإعلام قد رأت في “الطرفة” التي هي موقع الخلاف. تعرضاً لقدسية الإله، فبالإمكان تغريم الصحيفة والمسؤول عن نشرها تغريماً مالياً لا سجناً لستة أشهر، لأن نية الإساءة هي حتماً غير موجودة. ودليلنا على ذلك هو نهج الجريدة بشكل عام، ومواقفها العقائدية اللامتطرفة والتي نستطيع تبينها وبسهولة كبيرة.
إن كل متابع نبيه سيدرك ولا شك أن هناك محاولات مغرضة للنيل من الصحافة، ولتكبيل حريتها، والتي على ما يبدو أنها قد بدأت تقض مضاجع البعض ممن يربكهم كشف المستور، ويقلقهم أسلوب المصارحة والمكاشفة. والطرح العلني لبعض القضايا!
نحن جميعاً ندرك جيداً أن لا ديمقراطية من دون صحافة حرة، بل ولا مجتمع ناضجاً ولا دولة صلبة، من دون تحرير الصحافة من نفوذ قانون المطبوعات الحالي.. وقد تكون للصحافة سلوكياتها الخاطئة، شأنها شأن كل نشاط بشري ومدني تتواجد فيه كل أنواع السلوكيات، حلوها ومرها، غير أن تقويم تلك السلوكيات لا يشترط الحجر على الصحافة وتكبيلها لذا، فإن المطلوب اليوم وبصفة عاجلة إلغاء حكم السجن من جنح الصحافة، والذي يساوي وبشكل مؤسف بين مدمن المخدرات ومدمن الرأي الحر! وإذا كان البعض يرى أن الحكم الصادر بحق جريدة “القبس” ورئيس تحريرها لا يمس الصحافة ولا حريتها بشيء، وإنما هو موجه للمسيئين للذات الإلهية وللمتطاولين على قدسيتها فهو بلا شك مخطئ في رؤيته هذه، ويسمح بذلك نفوذ بعض التيارات في هذا الوطن، ومصدر قوتها الذي سبق أن أعلنته في مواقع أخرى كثيرة لا يتسع المجال هنا نذكرها.
القضية التي أمامنا اليوم إذاً ليست قضية مس بالذات الإلهية، ولا هي بمسألة دفاع عن الدين الإسلامي والذي هو محل احترام واعتزاز منا جميعاً، وإنما هي قضية منافذ يستغلها بعض المغرضين من التيارات السياسية المختلفة للنيل من تيارات أخرى منافسة. لقد آن الأوان لنا جميعاً لأن نضع حداً لذلك الاستخدام غير البريء، للدين وللعقيدة، وتسخيرهما لخدمة أغراض سياسية واقتصادية دنيوية فانية، وعلى الذين يرون في أنفسهم إخلاصاً صادقاً للإسلام وللعقيدة وخوفاً حقيقياً من مغبة التعرض لقدسية الدين، أن يتصدوا لمشاريع النيل من الإسلام التي هي في أمس الحاجة لأقلام ولأصوات تتبناها، وكما هو الحال في تطاول شبكة الإنترنت على القرآن وعلى آياته الكريمة، خاصة أن نوايا الإساءة والمس بالذات الإلهية فيها، هي نوايا حقيقية وواضحة وضوح الشمس لمن يملك صدق النية السليمة والقصد النزيه، سيبقى المواطن على رفضه لأن يخير بين قانون مطبوعات جائر وصحافة حرة، خاصة أن التشكيك في مناخ الكويت الديمقراطي هو خسارة للدولة، وللمجتمع وللمواطن بصفة مباشرة الذي يدرك أن الحريات وحدها تحمي حقوقه كاملة.
