غير مصنف

في مصر.. حين نطق الحجر

8نوفمبر2025

في مصر، نطق الحجر ليروي قصة التاريخ، مؤكدًا أن الدول التي سكنتها الحضارات، وكانت مهدًا لها، لا تموت أبدًا، ولا تنتهي حتى وإن جار عليها الزمان، وعبثت بها ظروف السياسة، وشوّهتها الحروب والنزاعات.
في مصر كان الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير رسالة، تؤكد تلك الفرضية، فالاحتفالية، على جمالها وفنها وإبداعها، حملت نبذة موجزة، لخّصها أفلاطون بمقولته إن «المصريين يحفظون التاريخ في المعابد»، وخرجت معها كل الآلهة المصرية القديمة، لتحكي قصة أرض وحضارة، فتابعنا في العرض الرائع لافتتاح المتحف المصري رع إله الشمس، مُبحِرًا في السماء، وأوزوريس، إلهة البعث والحياة، ملكة على الأرض، تابعنا الملكة حتشبسوت تنشر السلام والاستقرار، وتعيد ترميم معابد الكرنك.
رأينا غيرهم من الملوك والآلهة القديمة في مواكب حضارية خرجت علينا من قلب التاريخ، مُذكّرة بأن أرض الحضارة لا تموت أبدًا.
يصدق ذلك على عالم الشرق الأوسط المزدحم بحضارات خالدة، استطاعت أن تحفظ وجود دول عركتها وأنهكتها الحروب، ودمّرتها القنابل والمُدرّعات، لكنها، وبالرغم من ذلك، بقيت تنبض بعبق الحياة، الذي تستمدّه من عروق وجذور كامنة في التاريخ، فها هو العراق ينبض من جديد، مستنداً الى حضارة بعيدة في التاريخ، فلم تستطع كل الجيوش، التي اقتحمت حدوده، في إلغاء أو تهميش حضارة بلاد الرافدين، حيث استوطن السومريون منذ ما يقارب أربعة آلاف عام، وشيّدوا مدنهم، مثل أور، التي زارها بابا الفاتيكان، إقراراً منه بقيمتها الحضارية، السومريون هم أول من أسس قواعد بناء المدن في التاريخ، واخترعوا الكتابة المسمارية، اقدم نظام كتابة، طوّروا القوانين والأنظمة الإدارية، ليتبعهم فيما بعد البابليون، أصحاب أول مجموعة قوانين في العالم، شريعة حمورابي، ولتزدهر معهم شتى العلوم في الفلك والرياضيات، ولِيُخلّد التاريخ فيما بعد مكتبة نينوى، وعلم الفلك والتقويم البابلي، كإرث بشري خالد، ولتتحوّل بذلك أرض العراق الى أرض حضارة لا تموت، ومهداً للكتابة والقانون والمدن المُنظّمة.
ومن اليمن، الذي أرهقته الحروب، يستمد الناس فيه وجودهم وبقاءهم من حضارة تعود الى ألف عام قبل الميلاد، بإنجازات هندسية، تجلّت من سد مأرب الشهير، الى نظام ري متطور، وتجارة امتدت الى الشام ومصر، وعظماء خلّدهم القرآن الكريم كملكة سبأ، الملكة بلقيس، ونُظُم كتابة شكّلت إضافات إيجابية لأصول اللغة العربية.
أما بلاد الشام، والتي تشمل في امتدادها سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، فقد شكّلت جسرًا حضاريًا يربط الشرق بالغرب، عَبَرَت منه طرق تجارية كثيرة، كطريق الحرير، وطريق البخور، أرضها كانت مهدًا للحضارات الكنعانية والفينيقية، حيث شُيّدَت مدن بحرية جعلت من أهل هذه البقعة من الشرق الأوسط روادًا في الملاحة والتجارة، من قلبهم خرجت مدن مزدهرة، مثل تدمر، وجرش، وبيروت، وبصرى الشام، ودمشق، التي تُعَد من أقدم المدن المأهولة التي سكنها الناس.
المدن والمواقع التي استوطنتها حضارات لا تموت أبدًا، مهما بلغت قسوة الزمن، ومهما واجهتها كوارث سياسية او اقتصادية أو حروب عسكرية مدمرة، فقد تسقط مدنها سياسياً، لكنها تبقى خالدة ثقافيًا وحضاريًا، فالمدينة التي تنشأ في كنف حضارة، تبقى ذاكرتها مخزّنة في الحجر، وفي الأثر، وفي اللغة، يخزّنها الإنسان، ويُمرّرها عبر الأجيال، فتبقى عصية على الموت والاندثار والغياب، فمن بابل الى دمشق، ومن القدس الى القاهرة، ومن صنعاء الى الإسكندرية، تنطق الحجارة بلغة مخزون الذاكرة الخالد.
لقد جاء افتتاح المتحف المصري القديم في حقبة يأس يمر بها عالمنا العربي، حقبة حروب ونزاعات ومعارك فكرية وسياسية، أيقظنا منها، وعلى مدى ساعتين، عرض جميل لحضارة جميلة، تُذكّرنا بأن للحياة مجرى من الأمل دائم وخالد، إذا شئنا فتحنا معبراً فيه نحو حضارات خالدة لا تموت أبداً.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:في مصر-الملكة حتشبسوت-الكتابة المسمارية-افتتاح المتحف المصري

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى