شئون عربية

في لبنان أداة الحرب لا الحرب هي التي تغيّرت

في لبنان أداة الحرب لا الحرب هي التي تغيّرت

احتفل لبنان.. الخارج من آتون الحرب والدمار.. في الشهر الماضي بالذكرى الخمسين لاستقلاله. والسؤال الذي يطرحه الكثير من أبناء عالمنا العربي.. وبإلحاح يشوبه القلق عن الصورة التي سيعود بها لبنان من جديد.. ما مصير الحرية التي كرست للبنان موقعاً ريادياً في المنطقة بأكملها.. وجعلته ملاذاً لكل التيارات والآراء.. بل ولكل الطبقات والثقافات الحاضرة في العالم العربي؟!!
والحرية في لبنان ليست مسألة عابرة.. بل هي رأسمال البلد بأكمله.. والفرد بمعيته.. فلبنان لم يشتهر بمعالمه السياحية.. بل بحريته المكفولة لكل من يقف فوق أرضه كما ولم يفخر بأرزه الشامخ كما كان يفخر دوماً بمناخ الحرية الذي يتألق فوق جبينه.. ولم تأسر القادم إلى لبنان ملامح التحضر المعماري.. كما أسرته حرية الكلمة والرأي والقول. حرية لبنان هي التي جعلته ملاذاً لكل الهاربين من سياط القهر والظلم والعبودية.. إلا أنها أيضاً جاءت سبباً في تحطم أعمدة المعبد فوق جسده.. فحرية لبنان هي كعضلات (شمشون).. التي حطمت المعبد.. وتحطمت معه.. فالساخطون على لبنان.. والخائفون من مدّه الفكري التحرري.. كانوا تماماً كالساخطين على (شمشون) وقواه التي لا تقهر!!
فعلى الرغم من مرور وقت كافٍ منذ صمت دوي السلاح في شوارع بيروت.. إلا أن صوت الحرية لم ينطلق بعد.. ويبدو ذلك مؤكداً وواضحاً من خلال كلمات وكتابات اللبنانيين ذاتهم.. لا يزال لبنان الخارج إلى الدنيا من جديد. لا يزال غريباً عنهم.. فلا تخلو أي كتابة أو حدث عن لبنان من الحديث عن الحرية في لبنان والتي يبدو أن آلة الحرب قد أفلحت في انتزاعها.
العائد إلى لبنان الآن.. بعد سني الحرب الطويلة.. يعود وهو قلق من مواجهة التغيّر الذي خلفته آلة السلاح والدمار.. وهو بلا شك قلق له ما يبرره.. فهو لا يعني بالتشوّه الذي اعترى ملامح الشوارع والمباني في بيروت.. ولا بأفول نجم شارع الحمراء.. ولا بتحوّل شارع إدريس إلى سوق مهترئة.. وإنما هو قلق من اعتبار الفرد اللبناني على الحياة دون حرية. فبالرغم من انقضاء الحرب. وصمت المدافع.. إلا أن لبنان لا يزال مكبلاً.. والفرد صامتاً!!
وهم بكل تأكيد محقون في قلقهم هذا.. فالحرية في لبنان هي أساس وجوده.. فبين أن يكون أو لا يكون تبرز الحرية كشرط أساسي. فحرية الرأي والكتابة والقول هي التي جعلت من لبنان ملجأ لأدباء ومفكرين.. ومبدعين عرب وغيرهم.. فالإبداع أدبياً كان أم فنياً لا يزدهر ولا ينمو إلا في أجواء حرة. ينطلق من خلالها العقل والفكر حراً من كل قيد. والحرية السياسية والتي كانت تكفلها حرية التعددية وحرية تشكيل الأحزاب. كانت هي الضامن الوحيد لبقاء لبنان وانتشاله من الانهيار والتلاشي.. فلبنان يكاد يكون البلد العربي الوحيد الذي يتمتع بمظاهر مدنية ممثلة بمجتمع مدني استطاع أن يصمد ويبقى في ظل انهيار سلطة الدولة السياسية والإدارية بمؤسساتها إبان سنوات الحرب الطاحنة…
لبنان لم يعد كما كان لأن الحرية لم تعد ولم تزل غائبة أو مُغيبة. فحرية القول والتعبير. والتي كانت رائجة.. أصبحت تعرقلها تهم هي عربية المنشأ.. من مثل “النيل من الوحدة الوطنية”. و”إثارة النعرات الطائفية” كالتي وجهت إلى رئيس مجلس إدارة “المؤسسة المستقلة للإعلام”. أو كالدعوى التي وُجهت إلى جريدة (السفير) بتهمة نشر وثيقة معلومات!!.. أو كإغلاق جريدة “نداء الوطن” ومحطة للتلفزيون.. أبدت انتقادها لبعض الأوضاع في لبنان التي تمس أشخاصاً في موقع مسؤولية.
وبخلاف ما شاب حرية القول والتعبير في لبنان من تشويه وتحريف.. فإن ذلك هو نصيب الحرية بوجه عام في لبنان.. فالحرية السياسية.. والتعددية الحزبية.. والتي كانت معلماً من معالم لبنان كدولة حرة ديمقراطية.. أصبحت الآن أداة بأيدي الذين ما زالوا يخافون ويحذرون عودة الحرية إلى لبنان. وبحيث أصبح الفرد في لبنان تابعاً لدولة.. بعد أن كان واحداً في حزب.. أو طائفة هي لبنانية في تكوينها وأساسها.
فلقد عبنا وانتقدنا جميعاً لبنان على عرقيته وطائفيته وعقائديته.. وها نحن جميعاً نمارس ذلك كله فوق أرضه.. وهو أمر لا يقل بشاعة عن التطاحن والتحارب في أرجائه. فبالأمس كان الصراع والحرب مباشرة.. وكان اللبناني على استعداد لأن يموت في سبيل أن يخرج الجميع من أرضه.. والآن وبعد أن توقفت آلة الحرب.. أصبح لبنان أرضاً لطرح الخلافات. والتناقضات بين الدول والزعامات المقيمة خارج أسواره. فأصبح القرار اللبناني مستورداً. والفعل اللبناني دخيلاً. بل وحتى السلام اللبناني عاجزاً عن الخروج بذاته وسط صراع أطراف السلام الكبرى على أرضه.
وبالطبع.. فإن من الصعب جداً.. وسط أجواء كهذه أن تنتعش الحرية في لبنان من جديد.. على الرغم من أن الحرية التي تولد بعد مآسي الحروب.. وأهوالها عادة تكون أكثر صفاء.. ونقاء.. وبحيث يتولد معها دوماً كمّ كبير من الإبداع الفكري.. والثقافي.. والذي يكون قد ضاق بسنوات الكبت.. والظلام.
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث في لبنان.. لأن الفرد في لبنان لم يستشعر الحرية بعد.. كونها لا تزال مخنوقة. فأداة الحرب وحدها هي التي تغيّرت.. لا الحرب ذاتها.. وعوامل الصراع وأطرافه لا زالت باقية في بيروت والجنوب والجبل.. وفي كل شبر من لبنان. والحجر على الحريات أصبح مألوفاً في لبنان.. وبالطبع فإنك لا تستطيع أن توهم أحداً بأنه حر.. وهو مكبّل الأيدي!!.. فالحرية لا يمكن أن تكون إلا إذا كانت مُطلقة.. أما تصنيفها إلى درجات ومراحل.. فإن ذلك بالتأكيد دلالة على افتقادها.. فالحرية هي الشيء الوحيد الذي لا يخضع لنسبية (آينشتين). فالدولة التي تمنع كتاباً.. هي غير حرّة.. تماماً كالدولة التي تمنع جهاز (الفاكس).. والنظام الذي يغتال العقل. هو نظام غير مؤمن بالحرية.. تماماً كالنظام الذي يغتال الجسد!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى