الأرشيف

في القبس.. حيث التقيت الكبار

[جريدة القبس 8/8/2021 (1) المقال المشار إليه يقع ضمن محور "العراق" من هذا الكتاب.]

هذا الأسبوع من شهر أغسطس أكون قد أتمَمت ثلاثين عاما بصحبة القبس.. بدأت هذه الرحلة بمقال في الحادي عشر من أغسطس عام 1991 بعنوان “كفانا صمتاً(1) “يستعرض ضريبة الصمت الفادحة التي يدفعها كل مواطن عربي جراء استكانته للأوضاع الخطأ.. وبسبب تنازله عن حقوقه وحرياته.. أرسلت المقال إلى القبس كحديثة عهد في الكتابة الصحافية ولم تكن لدي الخبرة الكافية آنذاك في فن اختيار العنوان.. فكانت مساهمة الزميل العزيز “حمزة عليان” الذي تَرأس مركز معلومات القبس لسنوات طويلة وكان وقتها المسؤول عن صفحة المقالات.. اختار يومها الزميل “حمزة” عنوان “كفانا صمتاً” وعلى يده تعلّمت فيما بعد أن لانتقاء عنوان المقال أهمية لا تقل عن أهمية فحوى ما يرد فيه من تفاصيل.
وبمرور الوقت بدأت تجربة التواصل مع الكبار من كُتّاب ومحرري القبس.. فتشرّفت بلقاء صاحب جائزة أفضل عمود صحافي.. الأستاذ الراحل “محمد مساعد الصالح” الذي كان يملك موهبة فريدة في اختصار الفكرة.. وبثّها عبر عموده الشهير بكلمات بسيطة وثرية في بلاغتها وفحواها.. ومن بعدها توثّقت العلاقة مع الأستاذ الراحل حين انضم إلى “الطليعة” في أول صدور لها بعد التحرير وكان لي الشرَف حين أصبحت من كُتّابها في ما بعد. كانت زاوية “المشاغبين” حينها وهم عبد اللطيف الدعيج وناجي سعود الزيد وحسن العيسى.. من أكثر الزوايا في مبنى القبس وبالتحديد في الدور الثاني حراكًا ونشاطًا ومتعة.. كانت زاويتهم أشبه بزاوية “المعارضة” وذلك بفكرهم التقدمي.. وشراسة دفاعهم عن الحريات والحقوق.. الحديث والحوار مع هؤلاء الثلاثة لا أُفق له ولا حدود.. وثراء الحوارات معهم كان يَقذِفك في أبعاد ومدارات منيرة.. تَشع بالفكر الحر المستنير والمُتَجرد من الخوف أو التردد.
أدار دفة ذلك المناخ الحر في القبس آنذاك الكابتن “محمد الصقر” رئيس التحرير.. الذي لم ييأس ولم يستسلم كمحارب شرس في وجه أدوات الرقابة التي تَم فرضها على الصحف في أعقاب التحرير.. وأتذكر جيداً كيف كان اللجوء إلى مكتب “الرئيس” شبه يومي للبحث عن طرق وبدائل تُبيح التهرّب من مقص الرقيب اللاذع آنذاك، وبالفعل فقد كان بوعبدالله حينها خير مُعين في مواقف كثيرة.. تَم إخراجها بشكل توافقي مُحترف.
أما صاحب مقولة “اللهم احم وطني من أهله.. أما أعداؤه فهو كفيل بهم” الدكتور الراحل أحمد الربعي.. فكان مكتبه أشبه بمنتدى ثقافي وشعري وفكري.. كان رجل سياسة معجونا بخليط من الأدب والشعر والفصاحة.. يحفظ من القصائد والأشعار بقدر ما يحفظ من نظريات السياسة.. ولم يكن مكتبه يخلو من المُريدين في كلا الاتجاهين.. وهذا كان يشتَرِط بالطبع أن تكون محظوظًا فتجده في مكتبه.. فأبو قتيبة كان أقرب للريح في سرعة تَنَقّله بين المكاتب.. يُمازِح هذا ويَنصَح ذاك ويُلقي شعراً على آخر ويخطب في الشأن السياسي عند آخر.
كما وفّر لي الحظ عبر ثلاثين عاماً لقاء عمالقة التحرير في القبس.. مثل الدكتور أحمد طقشة. والراحل سهيل عبود.. والزميل فؤاد حلاوي.. والناقد السياسي الراحل نبيل حاوي… وثُنائي قسم الترجمة الأخ أبو أحمد والزميل محمد أمين وعبقري الكاريكاتور الأخ العزيز عبد الوهاب العوضي.. والزميلة مها البرجس والشاعرة سعدية مفرح. وليعذرني الزملاء الذين سقطت اسماؤهم سهواً.. هؤلاء جميعاً شكّلوا شبكة من الحركة والعمل كانت أقرب إلى خلية النحل منها إلى هيئة التحرير.
ومع الألفية الجديدة أصبح لـ القبس رئيس جديد استطاع أن يبني جسراً من العلاقة الأسرية مع كل العاملين والكُتّاب في القبس.. الأخ العزيز بوعبد اللطيف.. وليد النصف… رَسَمَ إطلالة جديدة لـ القبس.. وهو الذي يملك قلباً مفتوحاً طوال الوقت لأشد الآراء تعنتاً وعناداً وصلابة.. يحتويها بصبر وحكمة يُحسَد عليهما كثيراً.. لم تكن مهمة الأخ وليد سهلة إطلاقاً.. فقد شَهِدَت حقبته محطات سياسية مُتضارِبة الأمواج.. ومعارك داخلية وإقليمية ساخنة… اتسع لها قلب وليد الكبير.
وأختم رحلتي مع القبس بثورة الشباب الرقمية التي أضفَت إطلالة حديثة ومختلفة على القبس.. وحيث تشعّبَت إلى البريميوم.. والقبس التلفزيوني… وتطبيقات أخرى… قاد المشهد فيها الشاب المُبدِع “عبد الله غازي المضف” لتُصبح مؤسسة إعلامية مُتشعّبة وليست صحيفة فقط.
علاقتي مع القبس كانت ولا تزال عبر مقال أسبوعي.. وإن كنت لا زلت أتذكّر عملي مع الراحل سهيل عبود في إصدار المُلحَق الثقافي في التسعينيات وهو الملحق الذي عاود الصدور حديثاً بإشراف مايسترو الأدب والثقافة الزميل العزيز “د. جمال حسين”.
ثلاثون عاماً هي بمنزلة عمر بأكمله.. احتوتني خلالها القبس بعد أن اخترتها لي منزلاً ومقاماً.. التقيت فيها بالكبار والمبدعين.. فأصبحت القبس معهم وبهم جزءا من عالمي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى