فيشي الفلسطينية

“فيشي الفلسطينية”
بصرف النظر عن مدى أحقية ياسر عرفات.. كرئيس ل منظمة التحرير الفلسطينية.. الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين والمتحدث الرسمي باسم القضية… وذلك باعتراف كل الحكومات العربية.. نقول.. بصرف النظر عن ذلك.. فإن المتتبع لوقائع وحيثيات حسم الصراع.. التي بدأت في الثالث عشر من سبتمبر في واشنطن.. وستتضح معالمها.. من خلال الطفرة الاقتصادية المترقب حدوثها في دولة “غزة – أريحا“. يستطيع أن يتبين مدى تواضع وضحالة الحصة الفلسطينية في كل ما تم الاتفاق عليه.
عرفات يبدو سعيداً بالصفقة التجارية التي أحرزها في مؤتمر الوفاق في واشنطن .. وتتضح سعادته أكثر وهو يفصح عن أسماء لها بريقها في عالم التجارة والمال.. وتبدي استعدادها للدخول في الأسواق الفلسطينية القادمة.. فالطابع الوحيد الذي أصبح مقترناً بكل خطبه وتصريحاته.. هو عزمه على دخول “أريحا” متأبطاً مشاريع استثمارية.. ومقاولات.. وعقارات.. وكل ما من شأنه أن يعمر دويلته القادمة.
ولعلَّ في ذلك الفهم الخاطئ.. أو التجاهل المقصود الذي يتعمده الرئيس الفلسطيني.. أساس المشكلة.. فالقضية تحولت من كونها معضلة ومشكلة تمتد في أعماق تاريخ المنطقة.. إلى صفقة تجارية.. تساهم فيها دول الغرب.. والمقتدرين من أهل الأرض.
نعلم جميعاً أن للشعب الفلسطيني وحده حق القرار في كيفية التنسيق مع متطلبات الشعب من حوله.. ونعلم أكثر من ذاق عناء التهجير.. والاعتراف.. ليس مثل من آمن في وطنه.. وأرضه.. لكن القائمين على صفقة غزة وأريحا.. ليسوا بالذين يعانون مرارة العيش في المخيمات.. وإنما يقتصر الأمر على قلة من العاملين في المنطقة.. والنخبة من الفلسطينيين أصحاب المال والتجارة.. بعد أن تحول الصراع التاريخي إلى “صفقة تجارية” وتقلص الشعب الفلسطيني ليصبح مجموعة من المساهمين والمستفيدين.
إن تهميش القضية بهذه الصورة.. يجعلنا أكثر يقيناً باستحالة استمرارها مستقبلاً.. أو على الأقل دون إراقة دماء ومعاناة أكثر.. فالتاريخ وهو خير مرجع.. يحدثنا عن حالات مشابهة تطاح بها القصور في الرؤية.. والحلول الجزئية.. فقد سبق وأن قسمت فرنسا أيام الحرب الثانية إلى قسمين بسبب “عرفات” سابق هو ” المارشال بيشان”.. فجاء القسم الجنوبي من فرنسا تابعاً اسمياً لسلطة “المارشال بيتان” الذي وقع هدنة مع ألمانيا النازية.. فأحجمت عن احتلال مواقعه.. وقد كان المارشال آنذاك حجته في تبرير تعاونه مع الألمان.. بكونه يهدف إلى مصلحة فرنسا بعيدة المدى.. وبأن اتفاقه مع الألمان كان يقصد تجنب الاحتلال المباشر لكامل التراب الفرنسي.. وبالطبع فقد سقط حكم “المارشال” في وجه الوطنيين الفرنسيين بزعامة “ديغول”، وحوكم “بيتان” بتهمة الخيانة في أعقاب انتهاء الحرب الثانية.
لا ندعي ذلك أملاً في استمرار معاناة الفلسطينيين.. ولا إنكاراً لحقهم في العيش ولو على جزء من الأرض الفلسطينية.. ولكن أملاً في إصلاح كل الوضع العربي.. من خلال بداية صحيحة لإنهاء المأساة الفلسطينية. فلقد كان العرب جميعهم يضربون بسياط القضية.. التي دأبت الأنظمة العربية على استخدامها لقمع كل مطلب شعبي.. وكل حركة إصلاح..
الكيان الفلسطيني القادم في الطريق.. كيان هزيل ليس بسبب ضآلة الحصة الفلسطينية وحسب.. بل في ضآلة المساهمين فيه.. فالمعارضة الفلسطينية للاتفاق.. لا تختلف عن قريناتها من قوى المعارضة في سائر الدول العربية.. يتم تهديدها من قبل القائمين على مؤتمر الوفاق.. وينتظرها القمع من قوات الشرطة الفلسطينية.. ومكافحة الشغب التي يتم تدريبها في الأردن !! وفي ذلك القمع يكمن الفارق في الأداءين الفلسطيني والإسرائيلي، فبينما توجه “رابين” إلى الكنيست لاستجوابه لساعات طويلة.. يتحدث عرفات عن مؤازرة المجلس الوطني الفلسطيني الشفهية.. ويبدي اعتزازه بشعبه، لذلك فلا عجب أن يفاوض “رابين” من منطق قوة.. حريصاً على مكاسب يعود بها للكنيست.. بعد أن ذهب بتأييد ومساندة منها.. بينما يفاوض الطرف الفلسطيني دون الحاجة إلى مساندة شعبية تؤازره.. مكتفياً بالمساندة الدولية التي ستتصدى للمعارضين للاتفاق.. وللشرطة الفلسطينية التي يجري إعدادها لهذا الغرض في الأردن.
الذين خذلهم الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي.. خذلهم لكونه مخالفاً لمعادلة الديمقراطية.. التي تحاول شعوب المنطقة أن تتبناها كأولى الخطوات الإصلاحية.. والذين فاجأهم الاتفاق.. لم يفاجئهم القليل الذي أعطي للفلسطينيين – بقدر ما أحزنهم – أن تثمر مرحلة طويلة من النضال والمعاناة والدماء عن مشروع نخبة.. وقلة.. لا تختلف عن المشاريع العربية الأخرى.
والذين يخالفون هذا الرأي.. ما عليهم إلا أن يعيدوا قراءة التصريح الإسرائيلي الذي أعلن عن مساهمة الشرطة الفلسطينية بالتعاون مع السلطات الإسرائيلية لقمع الحركات الأصولية المعارضة للسلام!!
ستقوم دولة أريحا.. التي طالما حلم بها الرئيس الفلسطيني.. وكانت الحافز وراء تخليه عن طبقة المناضلين الفلسطينيين.. سواء في بيروت عام 82.. أو في الأردن عام 70… وسيبدأ الرئيس الفلسطيني في المحافظة على المكتسبات الجديدة.. وعلى الطريقة العربية.. وستصادر الحريات.. وتنتهك حقوق البشر.. ويتم تزوير الانتخابات.. لأن ذلك سيكون الأسلوب الوحيد في حماية الكيان.. ولأن بداية الطريق.. ومنذ واشنطن.. كانت كذلك!!
