
في السابق، كان موضوع “على من تقع مسؤولية العنف”؟ من المواضيع المكررة التي دائماً ما نستخدمها مع الطلبة في الجامعة، وذلك في مقرر الكتابة النصية. وغالباً ما كان هؤلاء الطلبة يعودون بقضية العنف إلى التلفزيون والأفلام، خاصة في دولنا التي لا تخضع السينما فيها لرقابة جادة بالنسبة لتحديد الفئات العمرية الملائمة لمشاهدة فيلم ما، حينها كان اللوم في ارتفاع معدلات العنف كله يقع على التلفزيون والسينما، فلم تكن هنالك مؤثرات حينها بحجم هذين الجهازين.
اليوم، خاصة مع تنامي حدة العنف بين الشباب، ولا نستثني هنا الأطفال، وفي ظل ما يشهده العالم من حوادث مرعبة كالتي حدثت في مسجدي نيوزيلندا، تتجه أصابع الاتهام إلى شركات التكنولوجيا وما تروجه من ألعاب خطيرة، بما في ذلك منصات شهيرة كفيسبوك ويوتيوب وغيرهما، خاصة بعد استخدام إرهابي نيوزيلندا فيسبوك ليبث عبره تفاصيل جريمته البشعة!
يقال إن الفيديو المصور الذي صوره الإرهابي يشبه إلى حد كبير إحدى الألعاب الإلكترونية وهي لعبة “آكشن” تم ترويج 13 مليون نسخة منها وتجمع “محاربين” من كل أرجاء العالم، وبالطبع لا تخلو من القتل والأسلحة والعنف في معارك افتراضية، أصبح هنالك وبكل أسف من ينقلها إلى أرض الواقع ليُسقِط أبرياء وضحايا!
في عام 2014، أصاب طفل صغير في الخامسة من عمره طفلة صغيرة في الثالثة بالرصاص إصابة حرجة بمسدس، وحين سألته الشرطة كيف تعلمت إطلاق النار أجاب بأنه شاهد ذلك في إحدى ألعاب الفيديو، وهذه ليست قصة افتراضية وإنما جريمة طفولية حقيقية وواحدة من مئات القصص المشابهة!
على الرغم من أن علاقة ألعاب الفيديو بالعنف ليست موثقة علمياً، ولا تزال في خانة الجدل والنقاش، فإن المنطق يقول إن الطفل أو المراهق لابد أن يتأثر بشخصيات الألعاب ويجسدها، بل إن هذا هو الأمر الطبيعي، فعندما كان “سوبرمان” هو البطل في أذهان أطفال الأمس، كنا نسمع عن حالات كثيرة لأطفال استعانوا بملاءة سرير تشبهاً بجناح سوبرمان، وألقوا بأنفسهم من ارتفاعات عالية!
اليوم ألعاب الفيديو لا تتناول شخصيات تُحلّق في السماء فقط، وإنما معارك وحروباً افتراضية تسيل فيها دماء، وتتساقط أشلاء، هذا بالإضافة إلى ما تؤدي إليه هذه الألعاب من أمراض نفسية، مثل الفوبيا الاجتماعية، والقلق والسلوك العدواني، والخلط بين الواقع والخيال!
من المؤكد أن الأمر أصبح خارج السيطرة، فألعاب الكمبيوتر اليوم مدعومة من قبل دول كبرى، وشركات أكبر، ويقدر دخلها بمئات الملايين، والتحدي اليوم أمامها هو في رفع طاقة الذاكرة الاستيعابية، ولا تزال الدراسات العلمية تحوم حول الظاهرة، ولا تجرؤ على مواجهتها، فالحرب هنا غير متكافئة على الإطلاق!
