
حين عرضت الفضائيات ومحطات التلفزيون مشهد إعدام طاغية العراق، شكك البعض في كون الماثل أمام حبل المشنقة هو صدام حسين، تماماً كما شككوا من قبل، ليلة القبض عليه في حفرته البائسة، في أنه الزعيم الأوحد الذي أقام الدنيا بطغيانه وجبروته وغروره!
ومثلما حاول البعض تكذيب خبر القبض عليه، فسطروا الروايات والتحليلات المهترئة والهزيلة، في محاولة لإضفاء هالة من القدسية والخصوصية لشخص الطاغية! كان الحال مشابهاً مع واقعة إعدامه، فمنهم من ادعى أن هذا لا يعدو كونه شبيهاً له، وآخر أن كل مشهد الإعدام تم بفبركة كمبيوتر وتقنية ذكية، وغير ذلك من تكهنات ضعيفة الحجة والدلالة!
قد لا يختلف صدام حسين عن غيره من الطغاة الذين عبروا من بوابة تاريخ البشرية ظلماً وجوراً! فمهما قلنا وتمنينا وادعينا أن التاريخ يحفظ في جنباته ركناً خاصاً لمزبلة تضم بصمات وإرث هؤلاء الطغاة، فإن الحقيقة المؤسفة والدامغة في آن واحد، أن التاريخ سيخلدهم، شئنا ذلك أم أبينا. فالتاريخ ليس بالعدالة التي نتصورها أو ندعيها. والخلود، بكل أسف، ليس من نصيب المبدعين والخيرين والأبطال فحسب، إنما هو كذلك للأشرار والجبناء والمفلسين! فهو- أي التاريخ- مخزن يحوي كل التناقضات والسمات البشرية، ويترك لنا نحن البشر حرية التصنيف وأمانة الفرز والإيداع! وهنا تكون المشكلة! فالتاريخ كما يقال يبقى عهدة بيد المنتصرين، أياً كان شكل انتصارهم وأياً كانت تبريرات أفعالهم وحججها! وهو- أي التاريخ- رهن لحظة الإيداع والتدوين. وكم من لحظات سيطر فيها بمحضها طغاة ومجرمون ودونوا صفحات انتصار وفوز وعدالة، دخلت، شأنها شأن لحظات تاريخية أخرى، فهرس التاريخ ومعجمه!
لقد خلد التاريخ من قبل سيد الكرملين جوزيف ستالين، والإيطالي موسوليني، والألماني هتلر، والأسباني فرانكو، والأوغندي عيدي أمين، وهؤلاء كلهم طغاة أدينوا بتهم وجرائم ضد الإنسانية، وحروب وأعمال تعذيب وإبادة جماعية! وأكاد أجزم بأن هؤلاء أشهر صيتاً واسماً من خيرين أفنوا حياتهم في خدمة البشرية ومصلحتها! ولو سألنا شاباً أو شابة اليوم عن مكتشفة اليورانيوم (ماري كوري) أو صاحب النسبية (آينشتاين) أو شهيدة الحرية (جان دارك) أو عمالقة الطيران الأخوة (رايت)، لما تذكروا أحداً منهم! لكنهم قطعاً لن يخفقوا في معرفة هتلر أو موسوليني!
صدام حسين قضى وانتهى، وأصبح الآن في عهدة ربه وحسيبه! لكن الذي لم ينته بل بالكاد يبدأ، هو ذلك الجدل العقيم حول مكانته وتصنيفه في فهرس التاريخ! وهو جدل عقيم، لأننا نتعامل هنا مع لحظة راهنة من لحظات التاريخ، فمخلفات صدام حسين البائسة هي تحت نظرنا وسمعنا، ولسنا في حاجة هنا لتحليل أو متابعة أو تفسير، فالتاريخ الآن في مرحلته الحاضرة لما يتعلق بشخص صدام حسين، والجدل حوله في ظل غابات المقابر الجماعية، وبؤس الشعب العراقي، والإعاقات الجسدية والعقلية في العراق والكويت وإيران جراء حروبه العبثية، يكون جدلاً خاوياً من أدنى مقومات المسؤولية والأمانة التاريخية!
الآن، والآن فقط، بإمكاننا أن نحدد فهرس التاريخ، ونسجل صدام حسين بين أن يكون بطلاً مغواراً، أو مجرماً ضالعاً في حرمة دماء أهله وشعبه وجيرانه!
