الأرشيف

فلنزرع شجرة

[جريدة القبس 30/11/2004]

لا أعلم، وربما لا يعلم الكثيرون مثلي كم مرة أصدرت الحكومة قرارها بضرورة إزالة المخالفات والتجاوزات على أراضي الدولة لكن من المؤكد أنه قرار صدر عدة مرات ليتوقف كذلك عدة مرات! وفي كل مرة تبدأ الجرافات في إزالة المخالفات تخرج مجموعة من المواطنين بالتماس إلى رئيس الحكومة لإيقاف العمل بقرار الإزالة! حيث اعتدنا رؤية معدات وسيارات البلدية في الصحافة وهي منهمكة في إزالة بعض تلك التجاوزات فقط ليقف العمل في اليوم التالي ويتجمد القرار إلى حين إثارته لاحقاً، وهكذا.
قضية التجاوزات على أراضي الدولة هي قضية شأنها شأن كل القضايا الموسمية التي تثار وبعنف في أوقات معينة ولأسباب محددة ثم تصمت! لكن المؤسف في قضية التجاوزات التي نحن بصددها أن الكل يعلم استحالة سريان قرارات الإزالة! لذا ما إن يصدر القرار وتبدأ الصحافة في ملاحقة جرافات البلدية ونشر الصور على صفحاتها، حتى يبدأ الناس بترقب (قرار) يلغي أو يجمد العمل بالقرار! حتى إن الكثير أصبح يراهن على مدة استمرار الجرافات في عملها!
الأسباب بالطبع تعود إلى أن الجميع مخالف حين يتعلق الأمر بتجاوزات على أراضي الدولة، وتلك مسألة لا تحتاج إلى محاججة أو أدلة لأن جولة سريعة بالسيارة في أي منطقة من مناطق الكويت تؤكد ذلك، فمن المظلات الواقية من حرارة الشمس إلى الحدائق الخاصة إلى ملاحق الخدم والعمالة وأيضاً حظائر الحيوانات والطيور كلها شواهد على أن المواطنين جميعهم أصبحوا فوق القانون بما يتعلق بمسألة التجاوز على ممتلكات الدولة!
بل إن الأمر المضحك المبكي أن مثل هذه التجاوزات تزداد في كل مرة تقرر فيها الحكومة بدء حملات الإزالة! حتى أصبح الوضع الآن أصعب من أن تعالجه جملة من القرارات، لا قرار واحد.
البعض يرى أن مسألة التجاوز هي مسألة نسبية وأن من يتطاول على ممتلكات الدولة بإقامة حديقة هو أقل خطأ ممن يقيم حظيرة حيوانات، وأن الذي يبني مظلات للسيارات هو أفضل من الذي يبني ديوانية أو ملحق خدم! وتلك حجج واهية لأن القانون واحد وصريح وغير قابل للتجزئة، لكن بالإمكان إعادة النظر في القانون بصورة قد تساعد على الأقل في تطبيق بعض جوانبه وإنقاذ الكويت من فوضى التجاوزات التي وصلت في بعض الأحيان إلى حد التشويه والقبح.
فإذا كان من الصعب أو من المستحيل المضي في قرارات الإزالة فإنه ليس من الصعب وضع شروط على الأقل تمنع التجاوزات القبيحة التي حولت مناطق الكويت من مناطق نموذجية في تقسيمها وترتيبها إلى مناطق عشوائية التخطيط والشكل، فعلى سبيل المثال، بالإمكان وضع شروط لشكل وهيئة المظلة بحيث يكون لها مقاييس وحدود يلتزم بها الجميع، أو أن يفرض على كل بيت زراعة شجرة أو أكثر لاستخدامها كمظلة واقية للسيارات.
آخر صرعات التجاوزات على أراضي الدولة جاءت في استخدام الأرض المقابلة للمنزل والتي يفصل بينها وبينه شارع مرصوف لمرور السيارات بحيث تزرع هذه الأرض وتزود بألعاب ومراجيح للأطفال ومواقف معدة خصيصاً لسيارات صاحب المنزل ثم تغلق هذه الأرض ببوابة تحظر دخول الغير! وقد انتشرت هذه الصرعة خاصة في البيوت التي لا يكفي ارتدادها الأمامي لإقامة مثل هذا المشروع، واضطر أصحابها إلى التوسع في مخالفتهم إلى ما وراء الشارع!
في البداية كانت مثل تلك التجاوزات قاصرة على ما يسمى بالمناطق (الخارجية)، لكنها اليوم أصبحت ظاهرة لم تسلم منها أي من مناطق الكويت، حيث أربكت ذلك التخطيط الجميل الذي قسم المناطق بصورة نموذجية توفر حدائق جميلة ومراكز ترفيه للشباب ومراكز تجارية توفر خدماتها لسكان المنطقة!
قانون إزالة المخالفات على أراضي الدولة يقف شاهداً على أن الواسطة في الكويت هي وبكل أسف فوق القانون، وإن أول من يخالف قوانين وقرارات الدولة هم من وضعها وسنها! وأن المشكلة ليست في سن القوانين وإنما في الالتزام بها والتقيد بتنفيذها! وإلى أن تعود للقانون هيبته، ولقرار الإزالة جديته وفاعليته ليزرع كل من هؤلاء الحريصين على وجه الكويت الحضاري شجرة أمام منزله تعبيراً منهم على نبذهم لتشويه الكويت!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى