
في عددها الأخير.. أبرزت “الطليعة” تحقيقاً حول القلق السياسي الذي ما زال مخيماً على المجتمع في “البحرين”.. مشيرة إلى الأسباب التي جعلت من “البحرين” أولى محطات الانهيار الخليجي الذي أصبح الكثير من السياسيين والمحللين يتوقعه!! حيث ترى “الطليعة” أن هشاشة البنية الاقتصادية في البحرين.. وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بين المواطنين.. خاصة مع التزايد السكاني والذي لا شك قد ضاعف من تبعات ندرة الوفرة المالية!! كلها أسباب رشحت “البحرين” لتكون أولى محطات التململ والقلق السياسي الذي أصبح مخيماً على الأجواء الخليجية بوجه عام!!
كانت رؤية “الطليعة” تلك قبل الانفجارات الأخيرة.. والتي لا شك قد أعادت قضية البحرين إلى الصدارة من جديد.. على الأقل بالنسبة لرجل الشارع المحاصر بأجهزة وتعليمات الإعلام الرسمي الموجه!! وحيث لم تكن كذلك واقعاً.. فأحداث الشغب والمظاهرات التي اجتاحت “البحرين” في أواخر عام 1994 لم تتوقف يوماً!! والمطالب الشعبية المنادية بالإصلاحات وبعودة البرلمان الموقوف منذ 1975.. لم تهدأ أبداً!! والمعارضون ما زالوا رهن الاعتقال!! والمواجهة مستمرة بين عنف السلطة وعنف المعارضة!!
لا شك أن التطويق الإعلامي في دول الخليج لمسلسل القلق السياسي في “البحرين” قد نجح في أن يحول صراع الديمقراطية في “البحرين” إلى أشبه ما يكون بأحداث شغب الملاعب.. وفتوات المقاهي والتي تشتعل فجأة.. لتخمد في الفجأة التالية!! ما يحدث في البحرين لا يجب أن يكون حديث ساعة.. إن لم يكن تضامناً مع البحرين وأهله وأرضه ومستقبله.. فليكن تضامناً مع أنفسنا على أضعف الإيمان.. فجذوة النار التي اشتعلت في البحرين.. هي حتماً لن تخمد فيها.. وتشابه الظروف سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية.. في دول المنطقة.. تجعل من احتمال كهذا ضرباً من السذاجة وضعف الرؤية!!
مشكلة البحرين التي فجرت أحداثها المؤسفة.. هي مشكلة خليجية.. أو بالأحرى هي عربية في نطاقها الأشمل!! وهي مشكلة تعود أساساً إلى مفهوم بناء الدولة في المنطقة الخليجية خاصة!! والتي تؤكد الأحداث من حولنا أنه مفهوم خاطئ نظرياً وتطبيقياً.. أدى إلى ما نحن عليه من واقع!!
فعلى الرغم من التعاريف الكثيرة للدولة والتي اختلفت باختلاف الفكر والأيديولوجيا السائدة!! إلا أنها أجمعت في أغلبها على أن الدولة هي الأداة الحكم بين المصالح المتنافسة في المجتمع.. والأداة المحيدة لبعض الصراعات فيه!! أي أن الدولة ترتبط في نشأتها بفكرة الحرية كأساس لها.. فهي – أي الدولة – الأداة التي تنسق تلك الحريات لكل من يقطنها من أفراد!! ومن هنا جاء فشلنا وعجزنا النظري في مفهوم الدولة!! فانطلاق صوت المواطن مطالباً بأدنى حق.. هو لا شك دلالة واضحة على ضعف جهاز الدولة!! فالدولة (المنيعة المتماسكة الصلبة).. هي التي لا يشكو ولا يتذمر المواطن فيها!! وجاء تطبيقنا لذلك المفهوم النظري الخاطئ للدولة.. بأننا أصبحنا دولاً مجهزة تجهيزاً متطوراً حديثاً وقوياً.. لبناء ضعيف هش.. يطيح به قلم أو رأي في صحيفة.. ويرعبه صوت في أقاصي الأرض.. وتشعله نار مطالب مواطنيه وتطلعاتهم!!
هي إذن قضية أكبر من أن يتحملها جسد البحرين الضئيل وحده!! وهي وإن كانت قد بدأت منه.. فإن مغزاها لا شك أوسع وأشمل.. لمن يريد أن يفهم ويتعظ!! أو لنكن أكثر وضوحاً هنا لمن يريد أن يبقى ويستمر!! فقضايا المشاركة الشعبية والديمقراطية السياسية.. أصبحت هويات أساسية.. ومن شروط الانتماء للمجتمع الدولي الحديث!! لم تعد قضايا نخب وطبقات اجتماعية.. ولا حقوقاً مقتصرة على تجمعات وأقليات!! بل أصبحت شروطاً أساسية لأي تخطيط أو تفكير مستقبلي فردياً كان أم مجتمعياً!! فكل ما ألم بالمنطقة من أحداث.. كان بالإمكان أن يتخذ طابعاً مختلفاً.. لو كانت هنالك مؤسسات شعبية تشريعية فاعلة!!
لا شك أن نبوءة (عبدالرحمن منيف) (الملحية) قد لاحت في أفق الخليج!! وهي نبوءة تحمل ما تحمل من قسوة.. وخوف، غير أنها كذلك تحوي منطقاً أساسه الواقع الخاطئ لبناء الدولة في دول الخليج بوجه عام!! ولن يفيدنا مع ما هو قادم الصمت.. والهروب!! بل الحكمة والتروي!
فلنبدأ الحكمة من البحرين.. ولنتخذ مما حدث عبرة.. آملين أن يكون هنالك بعد متسع للإصلاح السياسي والاقتصادي في المنطقة!! ولنخرج من دائرة (الطائفية) و(الأطراف الخارجية) و(الحاسدين المتربصين بنا دوماً) ولنجابه بدلاً من ذلك مكامن القصور التي هي صميم تكوين الدولة في البحرين كما في أقرانها!!
ما حدث ويحدث في البحرين هو نتيجة لا سبباً، وهنا يكمن أساس الاختلاف بين من يرى أن الحكمة هنا تقتضي الصمت والتروي.. حتى لا تشتعل نار الطائفية فتأتي على الجميع!! وبين رأي آخر يرى أن التكوين الطائفي قد كان دوماً أساس المجتمع في البحرين!! لا يمكن أن يثيره إلا جائع.. أو مظلوم فالشبعان لا يتذمر!! والأمن.. لا يقتل!! والمنصف سياسياً.. لا يثور!! وحده المظلوم يتأوه!!
ونحن في الخليج عموماً.. أصبحت خانة المظلومين سياسياً والمضطهدين اقتصادياً واجتماعياً.. أكبر بكثير من قدرتنا السابقة في احتوائها والتكتم عليها إبان زمن الوفرة المالية.. والتمدد الاقتصادي!! مما يعني أن الحكمة هي ملجأنا الوحيد.. وذلك من خلال إعادة نظر جدية وشاملة للعلاقة بين الشعب والنظام.. علاقة يكون أساسها الحرية وقوامها العدل!! فهل نعي ونبدأ الحكمة من البحرين؟؟!
الطليعة 1996/1/24




