الأرشيف

فضيحة هاليبرتون / التنمية

[جريدة الطليعة 17/1/2004]

بخلاف ما تنشره جريدة “الطليعة” وما استعرضه تقرير “الشال” أخيراً، فإن أحداً لم يتعرض لفضيحة صفقة بيع البنزين للعراق والمتهم فيها شركة “هاليبرتون” الأمريكية وشركة التنمية الكويتية.
وللذين لم يتابعوا تقارير “الطليعة” ومكتب “الشال” نوجز لهم الفضيحة بما يلي:
بسبب تهالك البنية التحتية في العراق وخاصة في حقل إنتاج وتسويق النفط أصبحت واردات البنزين واحدة من أكثر تكاليف جهود إعادة إعمار العراق، ووفقاً لوثائق الجيش الأمريكي فإن 690 مليون دولار قد تم تخصيصها لاستيراد البنزين والوقود خلال عام 2004 وقد استأثرت شركة “هاليبرتون” حصرياً بالعقود الأمريكية لتوريد الوقود إلى العراق وهو أمر أثار انتقادات واسعة في الولايات المتحدة لكن ما ضاعف من حدة هذه الانتقادات هو ما أظهرته وثائق حكومية أمريكية أن حكومة الولايات المتحدة تدفع لشركة هاليبرتون ما معدله 2.64 دولار للغالون الواحد من البنزين ومواد الوقود الأخرى التي تستوردها الشركة من الكويت إلى العراق أي ضعفي السعر الذي تدفعه جهات أخرى ثمناً للوقود المستورد من الكويت، أما كيف جاءت الكويت طرفاً في هذه الفضيحة؟ فقد جاء ذلك عبر اتهام وجهه عضو الكونغرس “هنري واكسمان” بأن شركة هاليبرتون وبناء على مستندات حصل عليها وأعطيت لجريدة “نيويورك تايمز” بأنها أي “هاليبرتون” تدفع لشركة كويتية تم التعاقد معها من الباطن وهي شركة التنمية ما يعادل دولاراً وسبعة عشر سنتاً للغالون في حين أنها تشتريه من مؤسسة البترول الكويتية بسعر 61 سنتاً للغالون. أي بفارق 56 سنتاً عن كل غالون، يضاف إلى ذلك تكاليف النقل التي تدفعها شركة “هاليبرتون” لشركة التنمية بواقع 1.21 سنتاً عن كل غالون علماً بأن الجيش الأمريكي يوفر الحماية الكاملة لأسطول الشركة.
تقرير “الشال” حول هذه الفضيحة يركز على أن الاتهام موجه لكل من السفارة الأمريكية في الكويت والحكومة الكويتية لإبقاء العقد وحيداً وغالباً لشركة التنمية، وأن هنالك تحفظاً شديداً يمنع تسريب أي معلومات حول الأمر، وهو تعتيم يوحي بأن هناك فساداً في مكان ما يرجح بعض “الإشاعات” حول هوية بعض المستفيدين من صفقة شركة التنمية. حيث يقال أن من بينهم وزيراً في الحكومة ونائباً في مجلس الأمة، وأن ذلك هو السبب في تعطيل ردود وزير الطاقة ومنع فتح الأمر للمنافسة الشريفة. ويطالب مكتب الشال مجلس الأمة بمتابعة هذه القضية والتحقيق فيها بسبب إسقاطاتها غير الطيبة على الأمن الوطني، ولعدم عدالتها، ولكي تنفي الكويت رسمياً مسؤوليتها تجاه تلك الفضيحة.
لم يكن بالإمكان تلخيص قضية “هاليبرتون/التنمية” بصورة أكثر إيجازاً وذلك لأهمية التفاصيل التي وردت فيها. “فالقضية الفضيحة الآن” تشكل خبراً مهماً يتصدر كل الصحافة الأمريكية وذلك لكونها قضية تتعلق بأمنهم الوطني وأيضاً لانعكاساتها المباشرة على دافعي الضرائب في أمريكا، لكنها وبكل أسف لم تحظ باهتمام مماثل في الكويت واقتصر التصدي لها على جريدة “الطليعة” على الرغم مما تشكله أبعاد هذه القضية من مخاطر على أمننا القومي أيضاً، فتفرد شركة “التنمية” بعقد بيع البنزين للعراق يعني أن التنافس بين الشركات على العقود لا يتم بشكل جدي وإنما هو إجراء شكلي لا يؤخذ بنتائجه حين ترسية العقود على الشركات المتنافسة. كما أن استحداث مسمى وكيان شركة “التنمية” لخدمة مشاريع أثرياء الحروب يشكل بصمة سوداء على تاريخ الكويت التجاري العريق.
إن استحداث شركة بهدف عروض طارئة وآنية تطرح شكوكاً حول أهلية شركات ومؤسسات البترول في الكويت والتي كان بإمكانها القيام بهذه المهمة التي سيكون عائدها على الكويت وليس على أفراد “مجهولين” ومحددين بالهوية وبالاسم، أما الانعكاس الأهم والأكثر خطورة من وراء فضيحة “هاليبرتون/التنمية” فهو في تجاهل مجلس الأمة ومسؤولي الدولة لقضية أصبحت الكويت طرفاً فيها، بينما يدافع عن حقها أعضاء في الكونغرس الأمريكي وصحافة أمريكية.
القضية الآن تشعبت، وأخذت أبعاداً خطيرة خاصة بعد أن نشرت جريدة نيويورك تايمز عن مسؤول في البنتاعون تصريحاً يبرئ ساحة هاليبرتون من أي أخطاء ويؤكد أن مؤسسة البترول الكويتية هي التي منحت ترخيص شراء وتصدير المنتجات لشركة التنمية دون غيرها على الرغم من أن شروط الشركات الأخرى أفضل، وهو ما يشكل اتهاماً مباشراً للكويت في الضلوع مباشرة في فضيحة هاليبرتون الأمريكية.
لقد عانينا في الكويت ولا نزال من جراء قضايا فساد معلقة بسبب تورط بعض المتنفذين في تفاصيلها، ونحن الآن أمام قضية فساد تطرحنا عراة أمام الآخرين، وتنشر غسيلنا المتسخ تحت المجهر الأمريكي في صحافته الشرسة، فهل نتعقل أمام ذلك، أم نمضي في تلويث سمعتنا خارج الكويت كما لوثناها داخل تراب الوطن؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى