غير مصنف

فستان الملكة الأصفر

5يوليو2025

في عام 1977، قدّم الفنان السويدي ليندراف عرضاً تنكرياً، جسّد فيه شخصية الملكة سيلفا، ملكة السويد، التي كانت قد حضرت الحفل بصحبة زوجها الملك كارل، وقدّم لها الفنان آنذاك وردة. وبعد مرور ما يقارب الـ50 عاماً، أعادت الملكة سيلفا إحياء تلك اللحظة، وقدّمت وردة الى الفنان ليندراف قائلة: «من ملكة الى ملكة أخرى»، تعبيراً عن تقديرها لما قدّمه هذا الفنان من إبداع وفن. وقد كان الفنان ليندراف قد ارتدى فستاناً أصفر للملكة أثناء عرضه للحفل في عام 1977، فما كان من ملكة السويد إلا أن أعادت ارتداء فستانها الأصفر، الذي أصبح مشهوراً، في مناسبات ملكية بارزة، منها حفل توزيع جوائز نوبل، وزيارة دولة الى هولندا، وأيضاً أثناء مشاركتها في برنامج تلفزيوني سويدي خُصّص لتكريم الفنان ليندراف.
مشاهِد تعكس بلا شك تقدير كل الأطراف هنا للفن والثقافة والتراث المشترك بين الجميع، وهو للأسف ما نفتقده وبشدة في عالمنا العربي.
الفن مرآة الشعوب كما يُقال، وهو توثيق لمراحل وأحوال مرّت بها تلك الشعوب، هو محاكاة جميلة لكل قضايا المجتمع، سياسية أو اقتصادية أو فكرية أو اجتماعية، والفن هنا يشمل الموسيقى والغناء والرقص والرسم والنحت والمسرح والتمثيل والرواية، وكل أوجه الإبداع البشري البصري منه والحسّي، ومن خلال كل تلك الإبداعات، تسرّبت العلوم والثقافة، وانتقلت من دولة الى أخرى، ومن ثقافة الى غيرها. حدث ذلك أيام الإغريق والرومان، وحضارة العرب في الأندلس، حين كان الفن رسولًا وسفيرًا للثقافة والفكر والحضارة، فلقد ثبت بالتجربة أن الثقافات والفنون تُعتَبَر بمنزلة اللغات الإنسانية المشتركة، التي بإمكانها، إن أجادت دورها، أن تحل محل الصراعات والحروب والنزاعات.
جودة مثل هذا الدور هو الذي أصبحنا نفتقده اليوم في عالمنا العربي، وهو الذي عبّرت عنه ملكة السويد برمزية فستانها الأصفر، وذلك حين كرّمت الفن بحضورها ودعمها وتقديرها.
الفنون العربية، وبكل أسف، أصبحت تهريجاً إلا فيما ندر، فبعد أن كانت وسيلة غنية بالمعاني العابرة للثقافات، تحوّلت اليوم الى مهرجانات فارغة المحتوى وهزيلة الأداء، تغلب على أكثرها بهرجة المهرجان، فيما تفتقر أغلبها إلى جوهر الفن الحقيقي وقيمته المعنوية ورسالته الذكية.
لقد اقتحم العرب فنياً ثقافات عديدة، تصدّر فيها فن الخط العربي ساحات المساجد والآثار، واقتحم قاعات الفنون التشكيلية في أكثر من قارة، كما تمكّنت نغمات الموسيقى العربية من التأثير في الموسيقى الغربية، حيث دخلت فيها نغمات وآلات عربية، فكان لمثل هذا التزاوج أثره الجميل على الفن بشكل عام. أما العِمارة فقد طغت جماليات العِمارة العربية على الكثير من المباني والمساكن في كل العالم، بأقواسها وقببها وزخارفها.
الفنون بشكل عام تُشكّل منصة للتعبير عن المشاعر والأفكار المُبدِعَة، وبحرية كاملة، وهي بدورها مرآة تعكس التفاعل مع الثقافات والشعوب الأخرى. كل ذلك أصبح متراجعاً في منصات الإبداع والفنون العربية لأسباب كثيرة، أبرزها الرقابة وغياب الحريات، لذلك تحوّل أغلبها الى مشاريع ترفيه فارغة المحتوى، وتهريج مسرحي غاب عنه الفن الحقيقي.
الفنون هي من تجليات الثقافة الإنسانية، التي تُعمّد حضور الشعوب في التاريخ، وهي النافذة التي تتبادل الشعوب عبرها الجمال الثقافي والفكري والإبداعي. غاب كل ذلك من حاضرة العرب وذاكرتهم اليوم، فلم نعد نرى رمزية في فستان الملكة الأصفر، باستثناء كونه قديماً.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية: فستان الملكة-الأصفر-الملك كارل-ليندراف-اللغات اللإنسانية

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى