
قد يكون فوز السيد جمال العمر في الانتخابات التكميلية للدائرة العاشرة مفاجئاً، وغير متوقع، خاصة أن حلبة التنافس قد كانت شبه مغلقة بسبب سيطرة ثلاثة تيارات سياسية مدعومة وقوية ولها باع طويل في رسم الخطط الانتخابية، لكن ذلك الفوز لم يكن وحده المفاجئ، وإنما كانت المفاجأة في درجة استفحال ظاهرة شراء الأصوات، والتي ـ إن كان ما يثار صحيحاً ـ قد أصبحت مرضاً وقضية تهدد بناءنا الديمقراطي وثقافتنا البرلمانية والانتخابية.
إن القراءة الأولى في تفاصيل انتخابات الدائرة العاشرة تؤكد وجود خلل ما ليس بسبب فوز السيد جمال العمر ومقارعته لأولئك المتمرسين في عالم الانتخاب والترشيح، وإنما لأسباب أخرى كثيرة ستنعكس تداعياتها على مسيرتنا الديمقراطية الطويلة.
ففي تصريح للنائب الشاب جمال العمر حول ما يشاع عن شراء الأصوات، قال فيه: “إن ما تطرحه التيارات السياسية من اتهامات غير صحيح، خاصة في رمضان، وعلى أية حال الأرقام هي التي تتكلم، وأنا أصلاً انطلقت من 150 صوتاً من أهلي، فنحن على علاقة نسب مع عائلات كثيرة في المنطقة.
إذن هو النسب العائلي والانتماء القبلي الذي يتوج مقومات النجاح لنائب مجلس الأمة، وليس البرامج الانتخابية والخبرة السياسية أو النوايا والقدرات الإصلاحية!
وإذا افترضنا أننا فعلاً، وبالرغم من تجربة العقود الأربع، لا نزال ندور في فلك القبيلة والأسرة والطائفة، وأننا لا نزال، وإلى حد ما، نضع لتلك الاعتبارات وزناً وثقلاً إلا أننا ولا شك قد استطعنا في الآونة الأخيرة من تجربتنا الانتخابية أن نتحرر بعض الشيء، وأن ننطلق بانتماءاتنا السياسية بعيداً عن قيود العائلة والقبيلة والطائفة!
وكلنا أمل بأن يتجاوز جيل الشباب تلك القيود، وأن ينطلقوا بثقافتهم الديمقراطية خارج نطاق تلك الأسوار الضيقة! ومن هنا يأتي حديث نائب شاب كالسيد جمال العمر محبطاً ومؤسفاً، ويحمل مؤشراً واضحاً إلى أننا بحاجة إلى إعادة تعريف لمقومات نائب الأمة ولدوره الذي يؤديه ولواجباته تجاه الوطن والمواطن.
والحاجة نفسها تستدعي إعادة بناء وعي المواطن تجاه ظاهرة شراء الأصوات، والتي أيضاً تأتي كنتيجة لغياب الوعي بمقومات وواجبات نائب الأمة.
قد تكون انتخابات الدائرة العاشرة أثارت قضية شراء الأصوات لأنها كانت شبه علنية ومباشرة لكنها كظاهرة لا يجب أن تقتصر على ما حدث في الانتخابات التكميلية الأخيرة، ولا يجب أن تتوقف عند احتجاج بعض القوى السياسية على نتائج العديلية أو على موقف السلطة من هذه الظاهرة، وإنما تشترط معالجتها إعادة بناء وعي الشباب الانتخابي ومسؤوليتهم الوطنية تجاه عملية الترشيح والانتخاب، وأيضاً بناء ثقتهم في مجلس الأمة ودوره الهام في كل ما يتعلق بالوطن وبالمواطن ومسؤوليته الكبيرة كمؤسسة تشريعية ورقابية! وتلك بحد ذاتها قضية هامة ومصيرية بين أن نكون دولة ديمقراطية أو لا نكون!
من المؤكد أننا بحاجة إلى إعادة بناء لوعي الشباب، خاصة أن غالبية الذين قبلوا بالرشوة الانتخابية هم من فئة الشباب اليائس من طرح النواب، ومن دور المجلس بشكل عام!
فالإدانة والتحذير والتهديد كلها أدوات قصيرة المدى والفاعلية لن تقوم الوضع على المدى البعيد، ولن تعالج قضية الفساد الانتخابي.
