
في شهر نوفمبر الماضي، وبمناسبة ذكرى إطفاء آخر بئر نفطية من الآبار التي أشعلها نظام صدام حسين، قبل انسحابه من الكويت في 26 فبراير عام 1991، عرض تلفزيون الكويت فيلماً وثائقياً عن عمليات الإطفاء التي شاركت فيها 15 شركة، بواقع 26 فريقاً، وتراوحت أجور تلك الشركات بين 94 و30 ألف دولار يومياً، في ما عدا الفريق الكويتي الذي كانت أجرته كما حافزه دموع فرح وحماس وطني فريدة مكّنته من إطفاء ما مجموعه 41 بئراً، متصدراً المركز الخامس في عدد الآبار، ومتنافساً مع شركات إطفاء عالمية عريقة.
بالإضافة إلى التأثير البيئي والصحي والاقتصادي الذي سببته حرائق النفط هذه، كان هنالك أيضاً تأثير ثقافي، حيث تم إنتاج فيلم وثائقي بتقنية الأي ماكس عن حرائق آبار النفط الكويتية، عُرف بحرائق الكويت، والذي حصل على ترشيح جائزة الأوسكار، كما عرضت حرائق الآبار في فيلم “دروس الظلام” للمخرج الألماني فرنر هرتزوغ، وكذلك تم عرض الحرائق في لعبة فيديو شهيرة، وظهرت في فيلم بعنوان “براكا”!
أثناء متابعتي للفيلم الوثائقي الذي عرضه تلفزيون الكويت بهذه المناسبة، شدتني مشاهد الحماس التي بدت واضحة على سحنة الفريق الكويتي، والذي كان متجانساً جداً في مشاعره الوطنية، وعندما استعرض كادر نهاية الفيلم أسماء الفريق البطل، أصابتني غصة وحرقة على تلك الروح الوطنية والتكاتف المجتمعي الذي أذهل العالم، وأعاد إلينا الأرض المغتصبة، هذه الروح التي يسعى اليوم بعض أصحاب الفكر الشاذ لتدميرها وبث الفُرقة بدلاً من التكاتف بينها!
أبطال فريق الإطفاء الكويتي كانوا خليطاً متجانساً يعكس طبيعة المجتمع الكويتي الصحيح، فقد كانت غازات الآبار المشتعلة وطينها وقطرانها الأسود تلطخ أجساد كل من عيسى عبدالله بويابس، شبيب العجمي، ومحمود الصومالي وجاسم الغيص ويعقوب الكندري وعبداللطيف الرباح وعبدالكريم الشريفي وعبدالقادر عبدالرحمن وعياد الكندري وجاسم الخميس وتركي عبيد ويعقوب عبدالله وسامي الياقوت وبدر الخباز وحمود الحربي ورياض نوري، وجاسم الحمادي، وهم يعملون ويتعانقون عند إنجازهم في كبح أحد مكامن الآبار المشتعلة مع إخوانهم مثل سارة أكبر، وعلي حسين حجي أسد وعدنان عبدالنبي السيد وعبدالوهاب عبدالنبي السيد، وعبداللطيف علي حسين، وحيدر عباس حيدر، وأحمد علي عبدالرحيم، وبدر جوهر أحمد، وإسحاق أبوالحسن، وعلي غلوم حسين، وسمير عبدالمحسن محمد، وأحمد عبدالرحمن مالك، وفارس أحمد المنصوري. كان المشهد جميلاً ومؤثراً، بوتقة من أبناء الكويت جمعهم الحب، بوتقة جمعت الحضري والبدوي والشيعي والسني في حب الكويت!
مثل هذه المشاهد تذكرنا دوماً بأن هؤلاء هم القاعدة، وأن أصحاب الفكر الشاذ ومرتزقة الطائفية والقبلية هم الاستثناء، لذلك بقيت الكويت وستبقى بفضل هذه الروح السائدة، رغم كل محاولات التفرقة!
