شئون دولية

فرساي الإيرانية

“فرساي الإيرانية”

تأتي اتفاقية “فرساي”، التي وقعت في عام 1919، إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، كأحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الحرب العالمية الثانية في ما بعد، التي كانت أشرس بكثير من الأولى، فبالنسبة إلى ألمانيا شكلت اتفاقية “فرساي” تمزيقاً لوحدتها الإقليمية والاقتصادية، لذلك يرى الكثيرون أن تلك الاتفاقية كانت بمنزلة السلام المنقوص، الذي ساهم في تأجيج الشعور القومي وفي التصعيد في مناطق التوتر المتوترة أصلاً! كما برزت حينها “حرب تجارية” بين الدول التي احتكرت ٪80 من الرصيد العالمي للذهب، مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وبين غيرها من الدول التي اعتبرت نفسها فقيرة، مثل إيطاليا وألمانيا واليابان.
النتيجة لتلك الاتفاقية المنقوصة كانت امتناع ألمانيا عن تطبيق العقوبات الاقتصادية على إيطاليا آنذاك، مما أدى إلى تحالف بين هتلر وموسيليني، أو ما عرف حينها بمحور روما – برلين، وإلى تمرد ألمانيا ورفضها للمعاهدات المجحفة التي كبدتها خسائر من مساحتها وسكانها واقتصادها.
واضح أن العالم كله، وليس العرب فقط، لا يقرأ التاريخ، وإن قرأه، فسيراه يكرر أخطاءه ويجترها ويقع في نفس الأزمات والحروب والكوارث.
حصار إيران في الثمانينيات وحرب الأعوام الثمانية العبثية خلقت دماراً للمنطقة، وأشعلت كراهية بين شعوبها، وأججت كوارث اقتصادية استنزفت ثروات المنطقة، هذا بخلاف طبعاً التلوث البيئي، الذي نحصده الآن من أمراض غريبة ومستعصية، ولتدخل المنطقة بأكملها في نفق التقسيم والتشرذم الذي سيضاعف من أزماتها وحروبها وتنافر الشعوب في ما بينها!
اليوم ومع دخول حزمة ثانية من العقوبات الأمريكية ضد إيران حيز التنفيذ، وفي ظل تصريحات عنيفة من جميع الأطراف بين واشنطن، التي تقول أنها ستضغط على طهران وبلا هوادة، والتصريح الإيراني الذي يهدد بخرق العقوبات واستمرار بيع النفط، في ظل أوضاع كهذه تحبس المنطفة أنفاسها بانتظار ما سينتج عن مثل هذا التصعيد الخطير!
الشرق الأوسط، وبالتحديد دول الخليج منه، ستتأثر حتماً جراء العقوبات الاقتصادية على إيران، ولا نعني هنا التأثير الاقتصادي، بل ما قد تحدثه العقوبات من انقسام في المنطقة بين معسكر داعم ومؤيد للعقوبات، ومعسكر متحفظ، وآخر رافض لها. فالمعادلات السياسية في المنطقة ستتغير حتماً، ولن يتوقف التأثير على الجانب الاقتصادي من العلاقات، ولعل أبرز المعادلات التي سيطالها الوضع الجديد تلك المتعلقة بمسألة التطبيع والعلاقة مع الكيان الصهيوني. فتلك ستنال نصيبها هي الأخرى من الانقسام في الشرق الأوسط وفي الخليج تحديداً!
العقوبات الاقتصادية على إيران لن تكون حلاً لأي أزمة أو مشكلة يرى الغرب والولايات المتحدة بالتحديد أن إيران تقف وراءها، بل قد تشكل هذه العقوبات باباً مفتوحاً يُدخل المنطقة في دائرة حروب لا تنتهي، مثلما أدت العقوبات على ألمانيا إلى إشعال الحرب العالمية الثانية، أشرس حروب البشرية وأكثرها دماراً.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى