
الفتوى التي أصدرتها وزارة الأوقاف في مايو عام 1985، بخصوص الحقوق السياسية للمرأة لا تتعارض مع منطقية تلك الحقوق وطبيعتها وحسب وإنما تتعارض هذه الفتوى كذلك مع روح الإسلام المتجددة وتعاليمه الحديثة دائماً وتشريعاته المتفقة مع كل جديد يطرأ على الحياة البشرية.
التذكير بهذه الفتوى الآن وإحياؤها من جديد ينم عن تدهور في حسنا السياسي بوجه عام وعن قصور في إدراكنا للأدوار البشرية ولجدوى المساهمة الفردية أياً كان جنسها في البناء الاجتماعي والسياسي للدولة.
لا شك أن مبعث القلق من فتوى كهذه، ليس في كونها تجاهلاً لدور المرأة تاريخياً وحديثاً ولمردود عطائها السياسي والاجتماعي وحسب وإنما لأن الجهات التي أصدرت الفتوى قد استعانت بالإسلام ديناً وعقيدة وروحاً لحجب حقوق طبيعية لمخلوق بشري كرمه الدين، وأعلى من شأنه القرآن الكريم والسنة النبوية.
لا شك أن بين ما تضمنته الفتوى من رؤية واجتهاد وبين ما يحمله الدين الإسلامي الحنيف من معان سامية وتشريع راق، يقف العجز البشري عن الارتقاء بالدين ومن الدين شاهداً على خلل بشري في الاجتهاد والتأويل.
فبينما تأتي فتوى الأوقاف مؤكدة أن طبيعة عملية الانتخاب تتناسب بما عليه الرجال من قدرة وخبرة واستعداد فطري، ذلك أنها إسهام في عملية التولية للأمور العامة. وهو بذلك اقتداء بقول الرسول c في حديثه “لن يُفْلِحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهَمُ امرأَةً”. يأتي القرآن الكريم شاهداً ومؤكداً على حالات تاريخية، حكمت فيها امرأة أمة كاملة وشعباً كبيراً… F ﵟإِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣ﵞ ﵝالنَّمۡل : ﵓﵒﵜ F
فلم يستنكر القرآن تلك الولاية لملكة سبأ بل استنكر عبادتها وقومها للشمس من دون الله!! بل ويرى المؤرخون في أن حديث الرسول c السابق ذكره قد جاء في تعليقه على حادثة فردية وذلك حين ورثت ابنة كسرى ملك الفرس عرش والدها من بعده فكان أن ذكر الرسول c ذلك الحديث محذراً المسلمين من الاقتداء بالأغراب.
وبينما تصر فتوى وزارة الأوقاف على اعتبار حديث الرسول c بأن ولاية المرأة تشريعاً وحكماً يبيح لتلك الفتوى – وعلى ضوئه – استثناء المرأة من الولاية بما فيها حقوقها السياسية في التشريع والانتخاب، تنكر فتوى الأوقاف ذاتها إنجازات المرأة في الإسلام، النضالي منها والتشريعية، وتصر على اعتبارها حالات فردية من التاريخ الإسلامي استدعتها ظروف الدعوة، ونشر الدين آنذاك.
ومن هنا فإن الفتوى ترى في بيعة النساء التي جاء ذكرها في القرآن الكريم Fﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِيـنَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِيـنَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡـنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَﵞ ﵝالمُمۡتَحنَة : ﵒﵑﵜ F. ترى الفتوى في تلك البيعة كما في بيعة “العقبة” أيضاً.. حالات فرضتها ظروف الدعوة، فهي في حقيقتها معاقدة على حماية الرسول c لإبلاغ الدعوة وعهد جوار وإيمان والمرأة من أهل إعطاء الأمان وإجارة المستجير. لكن تلك المبايعات لا تعني حقاً مشروعاً للمرأة في الخوض بتفاصيل الحياة السياسية من حولها.
لا شك أن حقوق المرأة سياسياً واجتماعياً من الأمور التي كثيراً ما أثارت جدلاً واسعاً، استطاع أن يسخره أعداء الدين للنيل من الإسلام ديناً وحضارة.
ولا ريب أن الإسلام قد ارتقى بالإنسان وكرمه وأزال عنه الكثير من شوائب الجاهلية، والمرأة التي نالت من التكريم ما ناله الإنسان بوجه عام. بل لقد عبر القرآن بأسلوب شفاف وراق عن نظرة الإسلام للعلاقة بين الجنسين من البشر، F ﵟهُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵗﵘﵑﵜ F.. آية تعبر عن علاقة متكافئة بين الطرفين. كما نظم الإسلام العلاقة الأسرية والاجتماعية وعزز دور المرأة سواء من خلال مساهماتها المباشرة في دعم الدعوة المحمدية أو من خلال أحكام الآيات التي وردت في القرآن.
وإذا كان رسول الأمة قد كرم المرأة وأكد على دورها الاجتماعي والسياسي، فإن دعوته تلك لم تنته بوفاته c بل لقد دشن بدعوته برنامجاً متكاملاً لانطلاقة المرأة اجتماعياً وسياسياً.. علينا كمجتمع إسلامي الاستمرار فيه. وإذا لم تصبح المرأة وزيرة أو مشرعة في عهد الرسول c فإن ذلك لا يوجب حجب تلك المهام عنها ومنعها من توليها.
لقد أنشأ رسول الله c مجتمعاً متكاملاً كان التغيير فيه متدرجاً دائماً؛ تدرجاً حفظ للدين استمراريته، وقبوله في كل زمان ومكان. غير أن المؤسف حقاً هنا، أن البعض – وكما هو حال فتوى الأوقاف – يدعون إلى جمود الدين وتحجره متجاهلين بذلك كل الآيات التي تدعو إلى التفكر وإعمال العقل.
F ﵟلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَـرَ شَـيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤ﵞ ﵝالكَهۡف : ﵔﵕﵜ F، فشتان بين فتوى الأوقاف المتحجرة وروح الإسلام المتفتحة!!
