فاطمة ومنيف

فاطمة ومنيف
قد لا نبالغ إطلاقاً إذا ما قلنا إن معرض الكتاب الأخير قد جاء متفوقاً على غيره من المعارض السابقة، فاحترام حرية الفكر كان معقولاً، وإن لم يكن مطلقاً.
ومع أن كتب الطبخ والديكور وكتيبات التلوين للأطفال قد كانت سائدة، إلا أن ما عوض عن ذلك كان في تعدد دور النشر، وتنوع الإصدارات بصورة عوضت إلى حد ما من حالة الجدب أو الشح الثقافي الذي يعاني منه المجتمع الكويتي بصورة كبيرة! زرت المعرض الأخير كما زاره الكثيرون غيري وخرجت بمجموعة ثرية من المؤلفات والكتب، كان أجملها على الإطلاق كتب متنوعة للكاتب السياسي والاقتصادي المحنك عبدالرحمن منيف صاحب الخماسية الشهيرة “مدن الملح”، والثلاثية الحديثة “أرض السواد”! ولعل أكثر ما يميز عبدالرحمن منيف هو قدرته الفائقة على الانتقال من سرد الرواية بشخوصها ومواقفها ومواقعها، إلى تحليل السياسة بإفرازاتها وانعكاساتها! وفي كلتا الحالتين، فإن القارئ يحس بنبض منيف وينصهر مع كلماته، أدبية كانت أم فنية! في روايته “شرق المتوسط”، يقول عبدالرحمن منيف في المقدمة “قبل ربع قرن، حين نشرت “شرق المتوسط” للمرة الأولى، كنت أظن أن القمع ورمزه الأقوى، السجن السياسي، قد ينحسر بمجرد لفت النظر إليه! الآن وبعد هذه الفترة الطويلة نكتشف أن القمع امتد واتسع، وأنجب مخلوقاً خطراً هو العنف، ولا يعرف ماذا يمكن أن يلد أيضاً إذا استمرت الأحوال هكذا! ألم يحن الوقت لترتفع الأصوات وتتضافر القوى وتستيقظ الضمائر من أجل وضع حد لهذا العار الذي يجللنا جميعاً، إن اليقظة هي بداية النهضة، ولا يقوى على صناعة النهضة إلا بشر أحرار وأسوياء ويشعرون بأن هذا الوطن لهم”.
خواطر وكلمات ثرية وثمينة، تذكرنا بما يفتقده المواطن العربي وما يحتاجه من مقومات تشكل أساس أي مشروع من مشاريع النهضة، أو النمو! وإذا كان لعبدالرحمن منيف هذا الوقع والصدى الكبير في نفوس وضمائر قرائه، فإن لفاطمة المرنيسي، هذه الكاتبة القادمة من المغرب العربي، صدى وأهمية، استطاعت هذه الكاتبة الشابة أن تحققهما وأن تتسلل إلى ضمير وفكر القارئ العربي، وعلى الرغم من أن فاطمة المرنيسي قد اشتهرت بكونها كاتبة متخصصة في قضايا المرأة أو “الحريم”، وكما يحلو لها أن تستخدم في عناوين كتبها، إلا أن ذلك لا يعني أنها قد استطاعت – ومن خلال إصداراتها – أن تغوص عميقاً في وجدان وعقل القارئ العربي رجلاً كان أم امرأة.
ففي كتابها “شهرزاد ليست مغربية”، تحاور فاطمة العقل العربي، وتغوص في مكوناته وتتساءل بعفوية مليئة بذكاء وفطنة أهل المغرب قائلة: “لن تكونوا جبابرة يا سادتي في عالم معاصر تشكل فيه المعرفة السلاح والذخيرة، لن تكونوا إلا متخلفين غرباء عن عالم المعلومات عبر الفضاء مادامت أمهاتكم وأخواتكم ونساؤكم وخادماتكم وعاملاتكم أميات، وحين ندرك أن قوة الحاكم ليست نابعة من ضعف شعبه ولا من إقصاء النساء والحجر عليهن، حينئذ يولد هذا الكائن الذي نصبو إليه بشدة: العربي العالمي، وهنا يا سادتي لن يعود العرب بحاجة إلى أم المعارك ولا أب الحروب لاستعراض قدراتهم”.
لا شك في أننا كمجتمع عربي بحاجة إلى أكثر من فاطمة ومنيف لكي نعيد معهم ملامح المثقف العربي الذي يتحدث بصوت جهور وعنيد دون أن يلجأ إلى سراديب مظلمة ورطبة يعبر فيها عن رأيه وفكره بصوت منخفض وضعيف.
إن الثقافة لا تنمو إلا في وسط حر بلا قيود! وقد رأينا أثر حرية الفكر الذي تتمتع به بعض المجتمعات العربية، حين انعكس ذلك الواقع وبوضوح على إبداع وجرأة كتابها مقارنة بدول أخرى الجميع فيها يتحدث بخوف وخنوع.
