
إن أبرز الدروس التي تعلمناها نحن في الكويت بعد كارثة غزو النظام العراقي أن الديمقراطية حصن حصين ضد تهور وشذوذ بعض الطامحين كطموح صدام حسين الأهوج!! وأن الديكتاتورية تنمو وتزدهر في ظل غياب الحريات، وأن النهج الديمقراطي لا يُعزف منفرداً ولا يحتمل التجزئة ولا الانقطاع!! وإنه لولا ديكتاتورية “صدام حسين” ونظامه لما أمكن للغزو أن يحدث ولا أن يكون!!
وانطلاقاً من تلك الدروس والقناعات كان تفاعلنا دائماً وأبداً مع كل التحولات السياسية التي تحدث في عالمنا العربي في شكل عام، خصوصاً ما يتعلق منها بالتحولات نحو الديمقراطية والمزيد من الحريات بصورة خاصة!! لذلك جاءت ردود الفعل الرسمية والشعبية تجاه (الميثاق البحريني الجديد) مفهومة ومتوقعة ومنسجمة مع قناعاتنا الجديدة، وذلك بالإضافة إلى الكثير من ملامح التشابه بين النظامين السياسيين الكويتي والبحريني!! فلقد حملت الكويت والبحرين راية التحديث في المنطقة، وخرجت من هاتين الدولتين شرارة التعليم التي أوهجت منطقة الخليج فيما بعد!! كما مارس أهل الكويت والبحرين الحرية بأشكالها، فكرية وسياسية واجتماعية وأدبية وخرجت من البحرين والكويت أولى المحاكم المدنية في المنطقة!!
ذلك كان هو واقع الدولتين وقبل أن يحدث الانهيار في البحرين الذي حل البرلمان في العام 1975 بسبب (عرقلته عمل الحكومة) وجُمد العمل بالدستور، ودخلت البحرين في نفق مظلم كانت حصيلته 38 قتيلاً بالإضافة إلى مئات المعتقلين والمبعدين إثر الاضطرابات التي شهدتها البحرين بين عامي 1994-1999 وما تبعها من ملامح قلق وترقب وخوف وقانون طوارئ وأمن دولة يحكم قبضته على جميع أوجه الحياة والنشاط في هذه الدولة الفتية!!
وفي الثامنة صباحاً من يوم الرابع عشر من فبراير الجاري فتحت مراكز الاقتراع على “مشروع الميثاق الوطني الجديد” أبوابها ليقول البحرينيون رأيهم في هذا الميثاق!! وخرجت النتيجة بنعم كبيرة لإعادة الديمقراطية والبرلمان بعد حله في العام 1975!! وقد كانت ردود فعل البحرينيين على خطوة كهذه تحمل وعوداً بتفعيل الدستور وتطوير الديمقراطية ردوداً متوقعة لأنهم جميعاً مجمعون على إعادة البرلمان ولأنهم كشعب متمرسون في الديمقراطية والحرية بجميع أشكالها وألوانها!! لكن ذلك التفاؤل لا يزال حذراً، ولا تزال غيوم الشك محيطة بذلك الاحتفال البحريني الصغير!!
جزء من ذلك الحذر يعود إلى إقران التصويت على مشروع إعادة البرلمان بمشروع آخر يرمي إلى إعلان البحرين “مملكة دستورية”!! وهو أمر لا يرى فيه البعض ضرورة ولن يضيف شيئاً إلى تاريخ البحرين السياسي والديمقراطي!! مما جعل ذلك البعض يشك في لعبة تفاوضات أو تنازلات تجرى لإدراج المشروعين معاً!! خصوصاً وأن “الميثاق الوطني الجديد” قد وضع قيوداً مسبقة لعمل البرلمان العائد حين نص على إنشاء مجلسين للسلطة التشريعية أحدهما منتخب انتخاباً حراً ومباشراً والثاني استشاري معيّن. مما قد يؤدي إلى تضارب صلاحيات المجلس المعين مع تلك التي يتمتع بها المجلس المنتخب؟!
أما القيمة الثانية التي تعكر صفاء الديمقراطية البحرينية المقبلة فهي في استمرار قوانين الطوارئ مطبقة وفاعلة، مما دفع بـ”لجنة العريضة الشعبية” التي سبق وأن جمعت في العام 1994 عشرين ألف توقيع مطالبة بإعادة البرلمان، دفعها لأن تدعو أمير البحرين لتهيئة المناخ السياسي الصحي عبر إلغاء قانون أمن الدولة وإصدار قانون بالعفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين والسماح لجميع المبعدين بالعودة إلى أرض الوطن من دون شروط أو قيود!! وقد رحبت اللجنة في رسالتها تلك وباركت الإصلاحات التي بدأها الشيخ حمد، بمعنى أن الرسالة صدرت بعد إعلان العفو عن السجناء والمبعدين السياسيين الذي تزامن مع إعلان الإصلاحات!! مما يجعلنا هنا نقف تحت صقيع وبرودة أقسى وأكثف غيوماً في السماء البحرينية، تلك المتعلقة بقانون أمن الدولة وبالسجناء والمبعدين الخاضعين له!! خصوصاً وأن المعارضة لا تزال تؤكد على وجود مئات الأشخاص الموقوفين لتورطهم في اضطرابات 1994، ممن لم يشملهم العفو الصادر في المرسوم الأميري للأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام بين السنوات 1995-1998 فقط!!
غيمة أخرى تحاصر السماء البحرينية وتغرز معاول الشك في قلوب المعارضة بوجه خاص، تلك التي برزت من خلال إعلان ولي العهد البحريني بأن الإصلاحات المطروحة ستدخل حيز التنفيذ في العام 2004 على أبعد حد!! في الوقت الذي أعلن فيه أمير البحرين أن إعلان المملكة البحرينية قد جاء بمباركة شعبية. وإن كان سيشرف بنفسه على إقامة نظام المجلسين، لتواكب الديمقراطية المملكة!! دون أن يكون هنالك تحديد زمني واضح لإعلان (مملكة الشعب)!! حمى الله البحرين وشعبها وحمانا معها من شرور الدهاليز السياسية المظلمة!!
الطليعة 2001/3/6



