غربة اللغة العربية

غربة اللغة العربية
ضمن مقالاتها الثقافية، نشرت صحيفة “الغارديان” أخيراً مقالاً حول اللغة العربية، أصاب في الصميم مشكلة اللغة التي أصبحت المجتمعات العربية تواجهها الآن.
يشير المقال في البداية إلى أحد البرامج الحوارية الذي بثته إحدى القنوات اللبنانية، حيث لاحظ الكاتب عجز المتحاورين عن الاستمرار في الحوار باللغة العربية من دون اللجوء إلى كلمات من اللغة الفرنسية أو الإنكليزية!
وهو أمر أصبحنا جميعاً نلحظه ونعيشه سواء في التلفزيون وبرامجه أو في مواقع أخرى، ولا يقتصر ذلك على فئة الشباب وإنما تشاركها في ذلك فئات أخرى كثيرة من الكبار والصغار!
العربية لها لغة رسمية واحدة، وهي اللغة الفصحى، وهذه هي لغة القراءة والكتابة، بالإضافة إلى الاستخدام الرسمي لها!
بينما تتوزع اللهجات العامية على كل مناطق الخارطة العربية، وتستخدم تلك اللهجات في المحادثة! وقد يجد البعض صعوبة كبيرة في التعامل مع تلك اللهجات، ويبرز ذلك بوضوح في عجز شباب المشرق عن متابعة حوار شباب المغرب!
تعتبر اللغة العربية من أغنى اللغات المعاصرة وأكثرها غزارة وعمقاً لما يتعلق بالمفردات والمترادفات وغير ذلك من عناصر تقييم اللغة، ولكونها لغة القرآن فقد ساهم ذلك في امتدادها وخروجها إلى أبعد من حدود العالم العربي! لذا فإن مقال “الغارديان” يرجع سبب تراجع اللغة لدى الشباب إلى المناهج التعليمية بشكل خاص، وإلى الطرق المستخدمة في تدريس اللغة العربية، التي تعتبر متخلفة وجامدة وتفتقد المرونة المطلوبة في التعليم بشكل عام.
من المؤكد أن الكثير من الأكاديميين، يشاركهم في الرأي الطلبة وأولياء الأمور، يوافقون الكاتب فيما ذكر من مظاهر قصور في مناهج اللغة العربية، وهنالك جهود ملموسة تسعى إلى التغلب على تلك الإخفاقات، آخرها كان اجتماع التوجيه الفني العام للغة العربية والذي ضم الموجهين الفنيين بمناطق الكويت، الذي أكد على ضرورة العمل لخلق جيل واعٍ وتأصيل لغة عربية سليمة، والنهوض باللغة والحفاظ عليها في وجه تحديات العصر، لكن المشكلة على ما يبدو أكبر بكثير من أن تتعامل معها لجان منفصلة في هذه الدولة العربية أو تلك، فبالإضافة إلى ذلك التراجع الواضح في مستوى اللغة العربية في المدارس والمؤسسات الأكاديمية في العالم العربي بشكل عام فإن هنالك أيضاً تراجعاً ملحوظاً في الإصدارات الثقافية والفكرية باللغة العربية، حتى لقد أصبح بعض الكتاب والمفكرين يستخدمون الإنكليزية أو الفرنسية بدلاً من العربية، إما لافتقادهم المقدرة على التعبير بصورة جيدة باللغة العربية، وإما لضيق مجال الانتشار وفرصه في الساحة الثقافية العربية التي أصبحت – بكل أسف – فقيرة ومحدودة في امتدادها! ولقد أثار مقال “الغارديان” هذه القضية من خلال الأرقام التي توجز جانباً منها، حيث يقول إن عدد الكتب المترجمة إلى العربية خلال الألف عام السابقة لم يتجاوز عشرة آلاف كتاب، في حين تتم ترجمة العدد نفسه سنوياً في دول أوروبية كإسبانيا مثلاً، والجميع يدرك بلا شك ما توفره ترجمة الكتب من إثراء للثقافة، ونشر للأفكار والعلوم المتوافرة في مجتمعات تحظى بمكتبات وإصدارات قيمة.
لقد سبق أن غذت المكتبة العربية قارة أوروبا العجوز بأساسات فكرية وعلمية شكلت حجر الأساس لما تشهده أوروبا اليوم من علوم وحداثة وتنوير! إلا أنها – أي المكتبة العربية – تعاني اليوم شحاً في الإصدارات والمؤلفات، خصوصاً على مستوى الطفل، الذي يفتقد الكتاب الشائق والتثقيفي، بل حتى الترجمات المتوافرة لكتب الأطفال تفتقد عنصر الجذب بسبب صعوبة اللغة المستخدمة في الترجمة، ورتابتها!
المطلوب إذاً في سبيل دعم اللغة العربية هو إعادة توطينها أولاً داخل حدود القارئ الصغير، من خلال إصدارات تحاكي شتى مجالاته واهتماماته من موسيقى وفن وكمبيوتر، وسينما! عندها فقط تعود اللغة العربية من غربتها الطويلة، وتستعيد مكانتها في قلب القارئ العربي وعقله!


