
من الواضح أن البلد بمؤسساته وهيئاته لا يملك خطة واضحة المعالم، ولا أهدافاً آنية أو مستقبلية، وهو بالتأكيد أمر ينعكس على كل الأمور والمشاكل والقضايا! إذا كان مثل هذا الواقع قد جرفنا ويجرفنا نحو هاوية سحيقة وخطيرة، فإن غياب الخطة والاستراتيجية من التعليم ومؤسساته ومناهجه يعتبر كارثة حقيقية تهدد ثروة الكويت البشرية ومستقبل الأبناء فيها.
حدثتني إحدى موجهات مادة الاجتماعيات في وزارة التربية عن النشرة التي تلقتها المدارس أخيراً والتي تنص على وجوب إعادة تفاصيل غزو النظام العراقي إلى المناهج، بالإضافة إلى ضرورة تغيير بعض المصطلحات والمفردات التي جاءت في كتب الاجتماعيات!
وفق حديث الموجهة، فإن أوامر الوزارة في بداية التحرير كانت باستخدام مفردة «الغزو العراقي الغاشم»، و«النظام العراقي الغاشم» لتتغير المفردات فيما بعد وخاصة في أعقاب حرب 2003 التي أطاحت بصدام حسين، وتصبح “النظام العراقي البائد”، وبالفعل فقد خرجت نشرة تربوية تنص على ضرورة استخدام هذه المفردة الجديدة في المناهج، وفي احتفالات المدارس ومناسباتها!
في نهاية التسعينيات خرجت نشرة رسمية تنادي بإلغاء كل شيء عن الغزو من المناهج، والآن تصدر أوامر رسمية أيضاً بإعادة تدريس الغزو واستخدام المفردات سابقة الذكر!
التركيز والإشارة إلى الغزو في المناهج التعليمية كان، ولا يزال مسألة تحمل وجهتي نظر؛ إحداها تقول بضرورة تثقيف الأبناء وتعليمهم ما حدث من غزو واحتلال لكي لا تنسى الأجيال تلك الحقبة من تاريخ الكويت، والأخرى ترى أن ذلك شأن سياسي بحت يمكن الإشارة إليه بشكل موضوعي، ومن دون أي انفعالات أو عاطفة في الطرح أو السرد.
الذين يؤيدون ترسيخ فظائع الغزو وجرائمه لدى الأبناء ينطلقون في رؤيتهم هذه من حجة أن المناهج العراقية لا تزال تتضمن خرائط جغرافية تشير إلى أن الكويت جزء من العراق، وأنها المحافظة التاسعة عشرة! وتلك بالمناسبة ليست مقارنة دقيقة على الإطلاق!
بينما في الكويت، لا تزال قضية الغزو في المناهج التعليمية مسألة خاضعة للمزاج السياسي البحت، بمعنى إذا هدأت الأمور مع العراق، خرجت النشرة التربوية بإلغاء الصفحات التي تتناول الغزو من المناهج، وإذا توترت العلاقة، عادت معها التعريفات والمفردات المتشددة!
قد يكون من الصعب الالتزام بالموضوعية المطلقة في بعض المناهج التعليمية، وخاصة كتاب التاريخ مثلاً، لكن المشكلة التي يعاني منها المعلمون والموجهون هي في حالة التذبذب، وأسلوب الإقحام الخاطئ للسياسة بهذا الشكل في مناهج تعليمية وتربوية سينشأ عليها أجيال ينتظرهم مستقبل مختلف تماماً عن الماضي والحاضر معاً!
