الأرشيف

عودة لإعلام الثاني من أغسطس

[جريدة القبس 16/2/1998]

لا شك أن التطورات الأخيرة وتصاعد حدة الأزمة بين نظام بغداد من جهة، والأمم المتحدة من جهة أخرى، قد خلقا حالة من الاضطراب والخوف والقلق، انعكست على نواح كثيرة، ودفعت بالمواطن للتحرك بصورة فوضوية وبارتباك كان مبالغاً فيه في أحيان كثيرة، سواء من خلال الإقبال الشره والكبير على تخزين المواد الغذائية، أو من خلال الاستعدادات الوقائية لحرب كيميائية أو بيولوجية!! وقد يكون للمواطن كل العذر في حالة الذعر التي أصبح عليها مؤخراً، خاصة بعد التجربة المريرة التي مر بها كل فرد على أرض هذا الوطن!!
غير أن لا عذر هنا للجهاز الإعلامي والذي بدا أكثر ارتباكاً وفوضى من المواطن ذاته! بحيث أثارت سياسته الإعلامية قلقاً أكثر وهياجاً وذعراً ضاعفت من التأزم النفسي والأمني الذي كان عليه المواطن، بفعل الأحداث ومجرياتها!!
الإعلاميون يقولون في ردهم على الانتقادات الشديدة لسياستهم، بأنهم أصبحوا لا يعلمون حقيقة ما يريده المواطن، والذي كان متذمراً من صمت الأجهزة الإعلامية وسلبيتها في البداية، ثم أصبح أشد تذمراً حينما مارست تلك الأجهزة دورها المطلوب في الإرشاد والتوعية!!
الذين تابعوا الإرشادات والتعليمات الأمنية، سواء على شاشة التلفزيون أو في الراديو، أدركوا بلا شك تراجعاً وخللاً في أداء الجهاز الإعلامي بشكل عام!! والذي اتضح بأنه لا يملك سياسة واضحة ومدروسة للتوعية وللمساهمة في إرشاد المواطن في هذه الفترة العصيبة!! فكل ما هنالك لم يتعد ردود فعل مباشرة لاستياء وتذمر المواطن من قصور الجهاز الإعلامي، وسوء إدارته للأزمة وتبعاتها!!
ففي تحذيرات وإرشادات التلفزيون للمواطنين عن كيفية التعامل مع أي طارئ يحدث، جاء فيها أداء التلفزيون تماماً كأداء الإداري الفاشل، والذي دائماً يبحث في أوراقه القديمة ومذكراته، عن مواد يستخدمها في مواقف تحمل ظروفاً مختلفة تماماً عما سبقها!!
فأحد تلك الإرشادات يحذر المواطن من الاقتراب من الأجسام الغريبة، والتي قد تكون ألغاماً مزروعة لأفراد أرسلها العدو!! كما تنادي تلك الإرشادات بضرورة بث روح الطمأنينة، والإيمان في نفوس الصغار وذلك أثناء الطارئ العسكري الهجومي!! بالإضافة إلى إرشادات أخرى مؤسفة ومضحكة في آن واحد.. كوجوب إطفاء الأنوار، والنزول إلى السراديب في حال الهجوم العسكري، والصعود إلى الأعلى في حال الهجوم الكيميائي!!
لا عذر على الإطلاق للبلبلة ولحالة الذعر التي خلفها الجهاز الإعلامي بكافة مؤسساته وإداراته، فقد كان بإمكانه استعراض مخاطر الهجوم الكيميائي أو البيولوجي، بكفاءة ومهارة أكثر. وبصورة تخفف من حالة الهياج التي أصبح عليها المواطن، فالسلاح الكيميائي هو بلا شك أعقد مما يتصور الكثيرون واستخدامه ليس بالصورة التي يتوهمها البعض حيث يتطلب مساحات محددة وبكثافة عالية لا يملكها الجيش العراقي!! بينما تتطلب الوقاية من السلاح البيولوجي، إجراءات طبية ودوائية، وليس مجرد فحم، أو قناع واق!!
كان بإمكان الجهاز الإعلامي أن يؤدي دوره الإرشادي المطلوب بصورة أكثر نضجاً، وأن يبث روح الطمأنينة في نفوس المواطنين، بكفاءة ومقدرة أكبر!! وأن يستغل هذا الطارئ ليخرج المواطن من سيناريو الغزو الذي اتضح لنا أنه لا يزال مسيطراً وبصورة مخيفة على عقولنا وتفكيرنا!! فالمتابع لأداء الأجهزة الإعلامية مؤخراً، لا شك أنه قد أدرك بأن التاريخ الإعلامي قد تجمد عند يوم الثاني من أغسطس 1990، وبحيث بدت الإرشادات الأمنية كما لو أن الوطن يقبع تحت احتلال عسكري كامل، فكان الحديث عن (العدو) في تلك الإرشادات حديثاً مبهماً ومبالغاً فيه، خاصة وأن الأزمة الحالية هي أزمة بين نظام بغداد من ناحية والأمم المتحدة من ناحية أخرى، ومهمة الجهاز الإعلامي فيها أن يخرج وأن يُخرج المواطن معه من تاريخ الثاني من أغسطس!!
لقد ساهمت أجهزتنا الإعلامية، وبكل أسف، في تصعيد حالة القلق والهيجان لدى المواطن، وبدلاً من أن تكون عوناً في طمأنة المواطن وإرشاده، كانت عاملاً في قلقه وخوفه، كما أنها ساهمت في محاصرة المواطن بمناخ الغزو وظروفه، بدلاً من توعيته وتنويره سياسياً!! فكان أن تقوقع الجميع وتجمدوا فكراً ومشاعر عند صبيحة يوم الخميس الثاني من أغسطس!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى