شئون دولية

عودة الشيوعية

عودة الشيوعية

في إحدى زوايا ساحة الخطابة الشهيرة في “الهايد بارك” اللندنية، يقف شاب إنكليزي ذو ملامح وقسمات شرقية مدافعاً عن الشيوعية كفكر وكمنهج عادل ومنطقي!
وطوال ما يقارب ثلاثة عقود أو يزيد لم يبرح هذا الشاب زاويته من كل صباح أحد، ولم يتوقف أو يتعب من الترويج للشيوعية أو الدفاع عنها.
وبخلاف ما خلفته تلك السنوات الطويلة من أثر على هيئة الشاب وصورته، فإن شيئاً آخر لم يتغير، فبقي على إصراره بضرورة التحول إلى النظام الشيوعي، وقناعته بجدوى ذلك التحول وحتميته.
في نهاية الثمانينيات وإلى منتصف التسعينيات تقلصت دائرة المتابعين لحوار الشاب الشيوعي، وشيئاً فشيئاً بدت تلك الدائرة في الاتساع مرة أخرى حتى إذا ما شارف القرن الجديد على البدء أخذت الدائرة في التمدد بصورة جعلت من الصعوبة بمكان أن يجد المرء فسحة للوقوف أو لمتابعة حديث الشاب الشيوعي!
عودة الطرح الشيوعي أصبحت ظاهرة متسارعة النبض في العالم اليوم، تسارع في تلك العودة ظاهرة الإحباط السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي سادت العالم مؤخراً، ومع تضاعف أعداد المتضررين من ميزان العدالة المقلوب، تزداد احتمالات عودة الشيوعية باعتبارها الفكر الذي يدعو إلى إلغاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وإلى تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة والحرية!
يدافع بعض الشيوعيين المخضرمين عن الفكر الشيوعي، أما ما يتعلق منه بفكرة الحزب الواحد، ودكتاتورية البروليتاريا فيقولون إن الحزب الواحد لم يكن أبداً جزءاً من النظرية الماركسية، وإن لينين قد كافح من أجل مشاركة الأحزاب البرجوازية في السلطة، وإنه كان يحاور جميع المختلفين معه، وسعى عبر نضال طويل لكي يكون في الحزب تيارات واتجاهات مختلفة! وقد عرض ماركس قضية دكتاتورية البروليتاريا بشكل بسيط وموضوعي، حيث قال إن من يحكم في النظام الرأسمالي هم الرأسماليون الذين يقيمون سلطة دكتاتورية للرأسمالية، أما نحن فنريد بدلاً من سلطة الرأسمالية المستغلة سلطة للمنتجين تمهيداً لإلغاء الاستغلال نهائياً من المجتمع وتحقيق الحلم الشيوعي بالحرية، حيث تصبح دكتاتورية البروليتاريا هي سلطة مؤقتة تقوم بإلغاء ذاتها حين تتحول القوى الاجتماعية كلها إلى قوى للإنتاج والإبداع، وينتقل المجتمع بمجمله وفقاً للحلم الشيوعي من عالم الضرورة إلى عالم الحرية المطلقة!
أكثر ما أثاره ذلك الشاب الشيوعي في حديقة الهايد بارك اللندنية هو الطرح الذي يطرحه أغلب أصحاب الفكر الشيوعي، وذلك لما يتعلق بسقوط الاتحاد السوفيتي الذي يرون أن من أهم أسبابه إلغاء السياسة الاقتصادية التي أخذ بها لينين لبعث الحيوية في الاقتصاد السوفيتي، والتي عرفت باسم “النيب”، والتي كانت تستهدف إقامة إنتاجية سلمية تسعى إلى تطوير المجتمع من قاعدته الإنتاجية وتتفق مع حقيقته وواقعه، لكن ستالين ألغى مشروع “النيب” في عام 1929 في سبيل اللحاق بحمى الصناعات الثقيلة وذلك لمنافسة الغرب دون مراعاة لظروف المجتمع السوفيتي، وبعد أن كانت الثورة السوفيتية عبارة عن تحالف بين العمال والفلاحين والجنود، أنهى ستالين هذا التحالف بعد أن صمم على أخذ عائد الإنتاج الزراعي بقوة السلاح، وبالقمع لتمويل الصناعات الثقيلة، فانهار الإنتاج الزراعي وانفرط عقد التحالف بين العمال والفلاحين!
عوامل كثيرة برأي ذلك الشاب الشيوعي وغيره أدت إلى انهيار التجربة السوفيتية التي كانت تجربة ذات طابع رأسمالي على الرغم من صورتها الاشتراكية! إلا أنه يرى، ويوافقه في ذلك الكثيرون، أن الشيوعية كفكر وكمنهج لم تتبلور بعد كتجربة كاملة وحقيقية! وهو يتفق كذلك مع فريق كبير من المؤيدين للفكر الشيوعي، أن إعادة بناء المشروع قد أصبحت ضرورة موضوعية وتاريخية في ظل هذا التهميش المتعمد للإنسان كفكر وإرادة وتاريخ!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى