عمارة يعقوبيان

عمارة يعقوبيان (1/2)
تتميز الروايات عن الكتابات الأخرى بكونها الأداة التي تصور أوضاعاً أو تنتقد واقعاً، أو تهاجم رموزاً دون أن تستفز، أو تجرح المعنيين بذلك النقد، أو إذا صح التعبير هنا هي تثير بشكل أخف وأقل انفعالاً وتصادماً مما قد تثيره الكتابات اللاروائية! لذلك فقد كان لوقع النقد في النص الروائي بعد أعمق وأقوى! وبالإضافة إلى دور الرواية في طرح ونقد القضايا الاجتماعية وغيرها، هي أيضا فهرس وأرشيف للتاريخ بأحداثه وتفاصيله!
ولا نريد هنا أن نسترسل في الحديث عن العمل الروائي بشكل عام، وإنما كان في ما ذكرنا مقدمة لرصد ردة الفعل التي أثارها عمل روائي حديث ومبدع في المجتمع المصري الحديث!
في روايته الشيقة “عمارة يعقوبيان” يشرّح دكتور الأسنان الأديب علاء الأسواني المجتمع المصري الحديث تشريحاً دقيقاً، يذكرنا بالتشريح الروائي الذي فصل المجتمع المصري في حقبة الثلاثينيات للأديب نجيب محفوظ سواء في ثلاثيته الخالدة أو في رواياته الأخرى!
لقد أثارت هذه الرواية اهتمام وكالات الأنباء، فتحدثت وكالة “رويترز” عن الرواية ونقلت عنها تصوير الكاتب للشرائح الاجتماعية التي مثلت الطبقات الدنيا والمهمشة! وتناولت الصحافة المصرية تفاصيل وانعكاسات هذه الرواية بصورة تذكرنا بأيام عنف وريعان الثقافة والأدب في مصر قبل أن يتكسر ويتهمش الإنسان والأديب في مصر المحروسة، تماماً كما صوره الكاتب علاء الأسواني في روايته التي اختار لأحداثها موقعهاً في عمارة يعقوبيان التي شيدها في العام 1934 المليونير هاغوب يعقوبيان عميد الجالية الأرمنية في مصر آنذاك، حيث وضع لها تصميماً جميلاً بعشرة أدوار شاهقة على الطراز الأوروبي، بشرفات مزدانة بتماثيل لوجوه إغريقية منحوتة على الحجر والأعمدة وكلها بالرخام الطبيعي!
ويستمر الأسواني في وصف موقع روايته الفخم، ليصل بنا إلى السطح، حيث تم بناء خمسين غرفة صغيرة بعدد شقق العمارة، لا تتجاوز مساحة الغرفة مترين، جدرانها وأبوابها جميعاً من الحديد الصلب، وتغلق بأقفال تسلم مفاتيحها لأصحاب الشقق، وتستخدم تلك الغرف إما للتخزين أو لمبيت الكلاب، ولم يستخدم سكان العمارة هذه الغرف لمبيت الخدم أبداً، وإنما كانوا يخصصون لهم غرفة في شققهم الواسعة ذات الثماني أو العشر غرف!
ويسترسل الكاتب في وصف موقع الرواية، حيث يقول: “في عام 1952 قامت الثورة فتغير كل شيء، بدأت هجرة اليهود والأجانب خارج مصر، وكانت كل شقة تخلو بهجرة أصحابها يستولي عليها أحد ضباط القوات المسلحة أصحاب النفوذ في ذلك العهد حتى جاءت الستينيات فصارت نصف شقق العمارة يسكنها ضباط من رتب مختلفة، وقد بدأت زوجات الضباط في استعمال الغرف الحديدية بطريقة مختلفة، فصارت لأول مرة أماكن مبيت السفرجية والطباخين والشغالات الصغيرات المجلوبات من قراهن لخدمة أسر الضباط، وكانت بعض زوجات الضباط من أصول شعبية، فلم يجدن غضاضة في تربية الدواجن في الغرف الحديدية! ثم جاء الانفتاح في السبعينيات وبدأ الأثرياء في الخروج من “وسط البلد”، حيث عمارة يعقوبيان، إلى المهندسين ومدينة نصر، وباع بعضهم شققهم في عمارة يعقوبيان، وخصصها البعض الآخر كمكاتب وعيادات لأبنائهم حديثي التخرج، أو قاموا بتأجيرها شققاً مفروشة للسياح العرب، وكانت النتيجة أن انقطعت الصلة شيئاً فشيئاً بين الغرف الحديدية وشقق العمارة، وتنازل السفرجية والخدم القدامى مقابل المال عن غرفهم الحديدية لسكان فقراء جدد قادمين من الأرياف أو يعملون في مكان ما في وسط البلد ويحتاجون إلى سكن قريب ورخيص! وصار مجتمع السطح لا يختلف عن أي مجتمع شعبي آخر في مصر!
شخصيات الرواية كما موقعها ناطقة ومعبرة وهي وإن كانت كثيرة إلا أن شخصيتي بثينة السيد وطه الشاذلي كانتا محور الحركة في الرواية! يجمعهما الحب ويفرق بينهما واقع مرير خلفته حركة مجتمع في الطريق الخطأ! بثينة التي استخلصت الدرس “بأن البلد دي مش بلدنا يا طه، اعمل فلوس يا طه تكسب كل حاجة، أما لو فضلت فقير هاتندهس دهس”، فقدت براءتها بتلوث جسدها في علاقة تجارية من أجل المال! بينما سلك طه ابن البواب طريقاً آخر يقضي بدوره إلى فقدان البراءة! فتهرب بثينة للزواج من رجل في عمر جدها، ويهرب طه إلى الجماعات الدينية!
تشير الرواية بين الحين والآخر إلى مسؤولية ودور ثورة يوليو 1952 في كل المآزق التي تعاني منها مصر حديثاً! وقد كان لي مع أحد الإخوة المصريين حوار ونقاش حول مدى مصداقية ذلك! كانت له- وهو ابن أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار- وجهة نظر، وكانت لي وجهة نظري الخاصة!
