غير مصنف

على من نُطلق الرصاص؟

22نوفمبر2025

ظهر فيلم «على من نُطلق الرصاص» عام 1975، ليُشكّل ظهوره آنذاك استكمالاً لسلسلة من الأفلام والأعمال الروائية، التي تتطرّق إلى الفساد ومؤسساته، وتطرح سؤالًا مشروعًا حول المسؤول الحقيقي، الذي يستحق أن نُطلق عليه الرصاص.
يتناول الفيلم قصة ثلاثة أصدقاء، تجمعهم الدراسة، ويفرّقهم ميزان العدالة الاجتماعية والاقتصادية المثقوب، يعمل مصطفى، الحالم بعالم من العدالة والخير، في الصحافة، أما سامي وتهاني، فقد اشتغلا في شركة عقارية كبيرة، يظهر هنا دور رشدي، صاحب الشركة المتهم بالتسبب في انهيار إحدى العمارات وموت سكانها، ليصطدم بشفافية الصحافي مصطفى الباحث عن الحقيقة في جريمة انهيار العمارة.
يُطلق مصطفى الرصاص على رشدي، الذي تسبّب جشعه المالي في سقوط العمارة السكنية، وعندما تصدم سيارة مصطفى إثر إطلاقه الرصاص، يتم نقل القاتل والمقتول في عربة الإسعاف نفسها والى المستشفى نفسه، لتبدأ الحكاية الجدلية في ردهات المستشفى حول الجاني الحقيقي في هذه القضية.
وعلى الرغم من إنكار مخرج الفيلم الإسقاطات السياسية فيه، فإن المتابع يستنتج بطبيعة الحال الربط المباشر، الذي قدّمه الفيلم مع قضايا الفساد بكل أوجهها.
تختم بطلة الفيلم آخر مشاهده بجملة رمزية، تقول فيها: «إذا ماكنتش القضية أرض وعمارات.. الناس دي كلها ماتت ليه؟».
تناولت السينما العربية إجمالًا قضايا الفساد السياسي والاجتماعي والمالي في أكثر من فيلم، كما تطرّق الأدب العربي الروائي للفساد، بكونه قضية تمس الفرد بشكل مباشر وفي كل شيء، فقدّم فيلم «زوجة رجل مهم» نقدًا لاذعًا لسلطة بعض الأجهزة الأمنية، وطرح فيلم «عمارة يعقوبيان» الفساد الاجتماعي والاقتصادي، واستعرض فيلم «هي فوضى» فساد بعض أجهزة الشرطة. هذا من جانب السينما المصرية، أما السينما اللبنانية فقد قدمت أعمالاً للأيقونة فيروز، تعبّر عن حالات فساد مختلفة، واستعرض فيلم «غرب بيروت» آثار الحرب وتفكك المؤسسات، وأيضاً كان للسينما التونسية دور في إسقاط الضوء على الفساد، كما جاء في فيلم «الرجل الذي باع ظهره»، والذي يقدّم نقدًا مباشراً لفساد العلاقات بين السلطة والمال والغرب.
أما على المستوى المحلي، فقد زخرت أعمال الثنائي عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج بالأعمال الثرية، التي تعرّضت لقضايا مجتمعية، مثل «باي باي لندن»، و«على هامان يا فرعون»، و«معروف الإسكافي»، وغيرها من أعمال خالدة.
لقد أبدعت السينما العربية، ومعها الأعمال الروائية، في طرح قضايا الفساد في المجتمع العربي، ومن كل الزوايا، وطرح بعضها وبجرأة مسألة التواطؤ مع مؤسسات فاسدة، بقصد الحفاظ على المصالح الاقتصادية، كما تطرّق العديد منها إلى حالة الخوف والصمت، التي تجتاح بعض المجتمعات العربية بسبب نفوذ وسطوة مؤسسات الفساد، والتي قد تتحكّم بمصائر بعض الناس وهكذا.
ولكن يبقى السؤال العالق هو ما ورد في عنوان فيلم «على من نُطلق الرصاص»؟ وعلى مسألة الفصل بين الضحية والجلاد، وبين القاتل والمقتول، وبين المجرم والبريء، فحسب أحداث الفيلم يكون صاحب العقار، الذي تسبّب في مقتل الأبرياء، ضحية، بينما يكون «المجرم» هو الذي أطلق عليه الرصاص انتقاماً لأولئك الأبرياء جراء فساده الإداري والمالي.
يبقى القانون هو الفيصل، وتبقى العدالة هي الميزان، يلجأ إليهما الجميع حين يقع الظلم، ويسود الفساد. لكن تبقى هنالك ثغرات يتسرّب منها الفاسدون، ليس في المجتمعات العربية فحسب، بل في كل المجتمعات البشرية، في مثل هذه اللحظات من الغفلة، يتوحّش الفساد الإداري والمؤسسي، وتبقى الرصاصة رمزاً لتحمّل المجتمع، بأفراده ومؤسساته، مسؤولية الفصل بين الجاني والضحية، وذلك كي تنطلق الرصاصة ضد الفساد في الطريق الصحيح والعادل.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:فيلم على من نطلق الرصاص-ميزان العدالة الاجتماعية-القضايا المجتمعية-الفساد الإداري

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى