
الجميع يتذمر في هذا الوطن.. من عجزه على تطوير أدائه الوظيفي.. وتحسينه.. بل ولا يتوانى الكثير عن تعليق كل ما يجابهه من مصاعب وظيفية.. على مشجب المركزية المتمكن من كافة نواحي الحياة في هذا الوطن.
وذلك بلا شك.. أمر مفهوم.. ومقبول.. فمركزية القرار أطاحت بالاتحاد السوفيتي على عظمته.. وقضت على الثورة المصرية في مهدها.. وأصبحت مرادفاً للديكتاتورية وخصماً عنيداً للديمقراطية والحرية..
على المستوى العملي والوظيفي.. لا يمل منتقدو الأداء الوظيفي للمواطن.. من التصريح بضرورة فتح قنوات التعاون.. والتبادل بين مختلف مجالات العمل بوجه عام.. وبين الوظائف المتعددة في الإدارة الواحدة.. بل ولا يخلو تصريح أي مسؤول.. من ملاحظات تؤكد على أهمية التشاور والتبادل في مجالات العمل الواحد.. وإخضاع القرارات الصادرة للآراء المختلفة.. ضمن مركز نطاق العمل بوجه عام.. وبحيث يستمر هذا المسؤول أو ذاك.. في التأكيد على وجوب محاربة المركزية وأحادية العمل والقرار.. والتصدي لهما.. وذلك بتقبل التغيير.. وبفتح المجال أمام الدماء الجديدة.. لتؤكد دورها في خدمة الوطن.. وما إلى ذلك من إنشاء وشعر ونثر.. إلى أن تصل الدماء الجديدة.. ويقترب التغيير من باب المسؤول. عندها فقط.. تتغير النغمة.. ويتدبل الإيقاع.. وتصبح مفردات مثل “محاربة الكفاءات”.. و”الممارسات ضد شخص المسؤول”.. و”الحملات الانتقادية لشخص المسؤول”.. تبدأ مثل هذه المفردات في فرض وجودها على تصريحات ذلك المسؤول.. الذي فاجأته الدماء الجديدة.. والتي طالما رفع راية الدفاع عنها.. والمنادة بها.
جميعنا يتذمر من المركزية في العمل والقرار.. ننشد الإصلاح.. ونذيل كل خطبنا وأقوالنا.. بالتأكيد على ضرورة تداول المهام.. وتبادل الخبرات.. بشرط أن لا تكون البداية بنا.. وأن لا تمر عملية الإصلاح من خلالنا.. أو تغير من الألقاب والمناصب التي حظينا بها دوماً..
خطاب الاستقالة المقدم من نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة البترول الكويتية.. خير مثال على ذلك.. فالنائب بشهادته يؤكد سنوات الخبرة الطوال التي قضاها في قطاع النفط. منها ما قضاه في منصبه كنائب لرئيس مجلس الإدارة.. فثلاثون عاماً من العطاء في مجال واحد.. لا بد وأن تكون قد استهلكت كل ما بحوزة النائب من قدرة على التجديد والعطاء..
واستشهاد النائب بإنجازاته طوال فترة إقامته في قطاع النفط.. وبما حققه من خدمة للوطن.. والذي هو بكل تأكيد ما ينص عليه مسماه ولقبه الوظيفي.. والذي يتلقى عائداً مالياً عليه.. استشهاده وتأسيه بأعمال هي من صلب المركز الوظيفي الذي يشغله.. لا يعنيان امتلاكه للمنصب.. ولا للصلاحيات المرهونة به.. هذا إلى جانب علامات السؤال العديدة.. والتي يثيرها الكثيرون حول إنجازات القطاع النفطي بوجه عام.. والذي تأتي مؤسسة البترول الكويتية في قمة سلمه. فعلى الرغم من كوننا دولة نفطية.. في زمن يتزايد فيه اعتماد العالم على النفط كمصدر للطاقة.. أو للعديد من الصناعات البتروكيماوية.. إلا أننا لا نزال بعيدين عن الصناعة النفطية.. ليست بحوزتنا سياسة واضحة لإنتاج النفط وتصنيعه.. لا نملك معلماً علمياً واحداً يثري المجتمع بعلم يختص بالصناعة النفطية.. ويزيد من الاستفادة من مصدرنا الوحيد للدخل.
لا ندعي أن ذلك التخلف في الصناعة النفطية هو مسؤولية مؤسسة البترول الكويتية وحدها.. على الرغم من كونها تحمل الثقل الأكبر من المسؤولية.. كما ولا نريد القول أن مجلس إدارة المؤسسة.. أو نائبها المستقيل.. مسؤول مباشرة عن عدم وجود جامعة للبترول.. ولكننا نريد أن نشير فقط إلى أن الإنجازات التي أوردها نائب مجلس الإدارة في خطاب استقالته.. ليست بالإنجازات المثالية والمرجوة.. بعد ثلاثين عاماً من الخبرة والممارسة.. والتي يصر نائب مجلس الإدارة على أنها مرحلة الانتقال من الاستغلال إلى الاستقلال.. ومن كونها المفخرة التي جعلت من قطاع النفط صرحاً شامخاً.. دون أن تعني لديه مرادفاً للمركزية التي يصر النائب على أن وزير النفط يقترفها بحقه.. وذلك بإدارته لهذا القطاع الضخم المتخصص من مكتبه!!
عمليات التغيير في الجهاز الوظيفي والإداري في المجتمعات الأخرى.. هي أساس التطوير لديهم.. وتداول المراكز والمهام هو من أهم أسباب النظام والتطور الإداري.. وتحسن العطاء والأداء الوظيفي في تلك المجتمعات بينما هو في هذا الوطن كارثة.. فتغيير المنصب أو المسمى الوظيفي.. نبذ.. ونقل الموظف عن إدارته.. تهمة.. والاستغناء عن الخدمات.. عقاب..
في صدر الدولة الإسلامية.. تم إعفاء خالد بن الوليد.. قائد المسلمين آنذاك من منصبه وهو في ذروة انتصاراته وفتوحاته الإسلامية.. لأسباب تتعلق بالصالح العام للدولة.. فلم يتذمر.. ولم يهدد بترك صفوف المسلمين.. بل ارتضى أن يكون محارباً تحت قيادة غيره من أبناء الأمة. ولم يجد في ذلك الإجراء بإقصائه من منصبه تقليلاً من شأنه.. ولا إنكاراً وتنكراً لإنجازاته..
بالتأكيد نحن لا نطمح أن يخرج من بيننا من هو بصفات “خالد بن الوليد”.. ولكنها إشارة إلى أن خدمة الوطن، إذا صحت النوايا، لا تقتصر على منصب أو وظيفة معينة.. وأن العطاء ممكن.. حتى إن لم نكن في القمة.
