عشتار.. الأم الكبرى!

عشتار.. الأم الكبرى!
• مِن عشتار الأم الكبرى إلى نضال المرأة اليوم، هل يوجد اختلاف في دور المرأة؟
في الحضارات القديمة التي تمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، كانت الآلهة آنذاك وفقاً للأساطير المتداولة حينها، جميعها من الإناث ولم يكن العهد الأبوي الذي برزت فيه سلطة الرجل قد بدأ بعد! وفي كتابه “لغز عشتار”، يتناول الكاتب فراس السواح ملامح من تلك الحقبة، حيث يقول: “في المجتمع الأمومي سلم الرجل القيادة للمرأة لا لتفوقها الجسدي بل لتقدير أصيل وعميق لخصائصها الإنسانية وقواها الروحية وقدراتها الخالقة وإيقاع جسدها المتوافق مع إيقاع الطبيعة، فبالإضافة إلى عجائب جسدها الذي بدا للإنسان القديم مرتبطاً بالقدرة الإلهية، كانت بشفافية روحها أقدر على التوسط بين عالم البشر وعالم الآلهة، فكانت الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى، بهذه الأسلحة غير الفتاكة، مضى الجنس الأضعف قوة بدنية فتبوأ عرش الجماعة دينياً وسياسياً واجتماعياً، وأمام هذه الأسلحة سلمت الجماعة قيادتها للأمهات، ولقد عزز الدور الاقتصادي للمرأة مكانتها هذه، فلقد كانت بحق المنتج الأول في الجماعة لكونها المسؤولة الأولى عن حياة الأطفال وتأمين سبل العيش لهم، كانت المرأة مسؤولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها إلى ملابس وأغطية، وكانت أول من صنع الأواني الفخارية، وبسبب قضائها وقتاً طويلاً في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء المرضى، فكانت الطبيبة الأولى، وكانت من يبني البيت ويصنع أثاثه، وكانت تاجرة تقايض بمنتجاتها منتجات الآخرين، وأخيراً توجت المرأة دورها الاقتصادي الكبير باكتشاف الزراعة ونقل الإنسان من مجتمع الصيد والالتقاط إلى مجتمع إنتاج الغذاء! في ذلك المجتمع القديم المتمركز حول الأم فاضت طبائع المرأة وصفاتها لتصوغ حياة الجماعة وقيمها وعلاقاتها ونظمها وجمالياتها!
يستعرض فراس السواح في كتابه هذا بعضاً من الإرث الفني والثقافي لتلك المرحلة، ويقارن بين التماثيل التي جسدت المرأة من بابـل إلى مصر ثم إيران وجنوب الأناضول، ليكشف عن التشابه الكبير بين كل تلك الحضارات، وحيث كان تجسيد هيئة المرأة يركز على منطقة الوسط وهي منطقة الإخصاب والولادة، فكانت أغلب تلك التماثيل تصور المرأة كالجرة، ولعل في ذلك مكمن السر في تعاقب تلك الحضارات على التفنن في صناعة الجرة، والتي تشبه في شكلها جسد المرأة، كما صورته آثار تلك المرحلة وبحيث انضم الإناء الفخاري إلى جملة رموز الأم الكبرى، وأصبحت الجرة الفخارية هي المستودع الذي تختمر في ظلماته بذور الحياة لتنطلق فيما بعد من بوابة الرحم! لذلك فقد ظهرت عشتار في العديد من رسومها ومنحوتاتها تحمل بيدها جرة فخارية يميل عنقها قليلاً نحو الأمام!
لقد قدم فراس السواح في كتابه هذا شخصية الأم الكبرى في النسق الميثولوجي السوري – البابلي ومتوازياتها في الثقافات الكبرى المجاورة بشكل سلس ومشوق، ليطرح بصورة دقيقة طبيعة الصراع الأنثوي – الذكوري في مراحل تاريخية مهمة من تاريخ البشرية، هذا الصراع الذي استمر ولا يزال بأشكال وصيغ مختلفة من عشتار الأم الكبرى، إلى نضال المرأة اليوم من القارة الأمريكية وإلى أعماق الشرق الأقصى!
اليوغا واليقظة التامة!
[جريدة القبس 28/1/2014]
