شئون عربية

عسكرة الثورة العربية

عسكرة الثورة العربية

حدثتني صديقة سورية عن حقيقة ملامح الصراع في سوريا عن قرب، فهي تؤكد أن حركة الاحتجاج السلمية في بدايتها قد تمَّت عسكرتها من قِبل النظام، الذي كان يتعمَّد هذا الأخير توفير السلاح للمتظاهرين وإلقاءه بين صفوفهم، لكي يبرر فيما بعد استخدام القوة والعنف ضدهم.
تسليح الانتفاضات أو الثورات العربية كان مبعث جدل بالنسبة لكل العواصم التي شهدت حركات احتجاجية، وبحيث تم التعامل مع ذلك وفق ظروف كل عاصمة. فبينما شهدت الثورة الليبية دعماً عسكرياً وتدخلاً مباشراً، يأتي الوضع مختلفاً في غيرها من العواصم العربية. ففي اليمن – مثلاً – استخدم رجال الثورة السلاح ضد النظام، لكنه – أي السلاح – لم يأتِ على هيئة إمدادات في أغلبه، وإنما كان أساساً بحوزة رجال الثورة، نظراً لطبيعة التسلح في اليمن، والذي كان يتم وفقاً لانقسامات قبلية وعشائرية، حتى في ما قبل الثورة الاحتجاجية.
في مصر كان الوضع مختلفاً تماماً، ولم تحدث صدامات ولا التحامات عسكرية مباشرة، لأن الجيش اتخذ موقعاً محايداً إلى حد ما إبان حركة التصحيح المصرية.
أما في تونس، فقد اتخذت الثورة شكل الصراع المدني، حيث كان الالتحام فكرياً ومنهجياً أكثر ما هو عسكري الطابع.
الآن، تأتي أوضاع الثورة في سوريا لتطرح شكلاً مختلفاً من أشكال الصراع الذي أصبح عسكرياً بالدرجة الأولى، نظراً لشراسة النظام واستعداده العسكري أولاً، أما ثانياً، فنتيجة لتداخل مصالح إقليمية كثيرة حلبة الصراع في سوريا الآن.
سجَّل وزير دفاع بريطانيا السابق مالكولم ريفكند وجهة نظره المتعلقة بتسليح المعارضة السورية، متسائلاً عما إذا كان تقديم السلاح لأحد أطراف الصراع سيتم استخدامه للدفاع عن النفس أم لارتكاب فظاعات وأعمال انتقامية، وعما إذا كان من شأن هذه الأسلحة أن تعجِّل عملية التواصل إلى حل للصراع، أم أنها ستؤدِّي إلى إطالة أمده، ليصل بذلك إلى خلاصة مفادها أن تزويد الثوار السوريين بالسلاح ليس استراتيجية جذابة، لأنه ينطوي على أخطار كبيرة، منها احتمال تحوُّل النضال المشروع من أجل تقرير المصير إلى عنف طائفي يؤدِّي إلى صراع أكبر وضحايا أكثر.
المشهد في سوريا الآن يزداد دموية، واللاجئون السوريون بمئات الآلاف، وأطراف أخرى كثيرة دخلت المشهد، بكل ما لديها من سلاح وثأر سياسي، والحل لن يكون إلا بأيدي السوريين وحدهم. فتوحيد المعارضة اليوم أصبح أمراً ملحاً، والتواصل بين فصائل الثوار بات ضرورياً، وخصوصاً في ظل استحالة قيام تسوية سياسية من خلال الأمم المتحدة، وذلك بسبب اختلاف الأطراف المهيمنة على قرار الفيتو حول المسألة السورية.
العالم بأكمله أصبح اليوم يشترط توحد المعارضة السورية قبل التقدم بأي شكل من أشكال المساعدة، والمعارضة التي يطلبها السوريون اليوم هي معارضة تعمل من أجل سوريا فقط، وليس من أجل أحزاب أو تكتلات من خارج الحدود.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى