الأرشيف

عدالة.. نعمات فرحات

[جريدة القبس 3/6/1993]

حقوق الإنسان أصبحت كالموضة.. خاصة بعد أن نادى بها وروج لها النظام الدولي الجديد.. بل لقد أصبح من المضحك المبكي في آن واحد، أن أكثر الأنظمة استبداداً.. وعنفاً.. ودموية.. لا تتردد في الإعلان عن قيام هيئات ومؤسسات لرعاية حقوق الإنسان.. ولا نخفي هنا فقط ذكر إعلان نظام بغداد عن قيام هيئة لحقوق الإنسان فوق جماجم ودماء الشعب العراقي.
احترام حقوق الإنسان.. والتشجيع على احترام الحريات الأساسية للأفراد دون تمييز في أصل.. أو جنس أو لغة.. أو دين.. مشاريع تمتلىء بالمثالية والسمو.. ولكنها في الوقت نفسه تعتبر مسألة من السهل جداً التحايل عليها.. والالتفاف حولها.. وذلك لنسبية تلك الحقوق.. تلك النسبية التي يروج لها أعتى المناصرين لقضايا حقوق الإنسان.. سواء شعورياً.. أو لا شعورياً. فالمواطن العربي المحاصر بأجهزة الاستخبارات.. والمباحث.. والسجون السياسية.. لا يمكن أن ترقى طموحات حقوقه الإنسانية.. إلى أكثر من صحافة حرة.. وحرية نشر.. وبحث.. واطلاع.. والمواطن الأفريقي الجائع العاري.. لا يمكن أن تتجاوز مطالبه.. المطالبة بغذاء صحي.. ومسكن يقيه عوامل الطبيعة.
إن حقوق الإنسان التي ينادي بها العالم الأول.. كما الثالث.. والتي أصبحت تعقد لها المؤتمرات والندوات.. وتؤسس باسمها الجمعيات.. كانت هي الأساس الذي قامت عليه.. وأرسته الثورة الفرنسية.. والتي بادرت أولاً من خلال نضالها وحروبها إلى تقويض البناء الأوروبي القديم.. وتمهيد الطريق للمذاهب الحرة في القرن التاسع عشر.. مما أرسى الأسس الشكلية لمبادئ الحرية.. والإخاء.. والمساواة. لذلك فإن حقوق الإنسان في الغرب قد جاءت كجهد تاريخي قامت به الذات الأوروبية.. وحيث دفع الإنسان الأوروبي فيه من جهده ودمه الكثير.. ثمناً لما يتمتع به الآن من حقوق إنسانية.. وديمقراطية. بينما تصر الثقافة العربية المعاصرة.. على استيراد تلك الأفكار والمبادئ.. تماماً كاستيرادها للسلع.. والمعدات.. والآلات.
قد يكون لإيمان العالم الغربي بحقيقة تلك الحقوق وأهميتها. وتأكيده عليها.. والالتزام بها.. أثر كبير علينا، نحن أبناء العالم الثالث.. في تفسيرنا لتلك الحقوق.. فالإنسان الأمريكي أو الغربي مثلاً يحظى باهتمام واحترام يفوق كثيراً ما يحظى به أي مواطن آخر.. وحتى لا نتهم بالتعصب والتحيز.. فليحاول أحد منا أن يقف في طابور لإنهاء إجراءات المقيمين في هذا الوطن.. ليقيس الاختلاف الشاسع في المعاملة.. بل وليحاول أحدنا أن يتظاهر مثلاً بانتمائه إلى عالم الغرب في أي دولة سياحية عربية.. ليلحظ الفارق في المعاملة.. وقد يرى البعض هنا أن تلك ليست بقضية أساسية في أولويات حقوق الإنسان.. إلا أنها ولا بد تعني ظاهرة ومؤشراً هاماً.. وهي أننا بحاجة أولاً.. للاقتناع والإيمان بحقوقنا مهما صغرت.. وسينعكس ذلك حتماً.. على إيماننا بحقوق الآخرين.
إن الذي جعل من قضية المواطنة “نعمات فرحات” تحظى بكل هذا الاهتمام.. ليس أمراً ذا علاقة بتطبيق العدالة.. واحترام حقوق الإنسان.. حتى إن أكد على ذلك الراغبون في هذا التفسير.. فحوادث الاغتصاب والقتل أصبحت أكثر ما يميز مرحلة ما بعد تحرير الوطن. إلا أن ما أكسب قضية كهذه كل ذلك الاهتمام.. هو في كونها قضية أثيرت في مجتمع يحرص على الدفاع عن حقوق مواطنيه.. أياً كان أصلهم.. أو جنسهم.. وقضية “نعمات فرحات” قضية أثارها المواطن الأمريكي لبناني الأصل “نعيم فرحات”.. شقيق المجني عليها.. وتبنتها وسائل الإعلام المحلية وغيرها والتي تعمل على نطاق الولايات المتحدة.. واهتمام عدد كبير من ممثلي جمعيات حقوق الإنسان فيها.
“ونعمات فرحات” مواطنة.. تعرضت لاغتصاب بشع في أعقاب تحرير الوطن.. وقتل والدها وشقيقها: وهي بالطبع قضية لا ينكر أحد مأساويتها.. وبشاعة تفاصيلها. والعدالة في مثل هذه الظروف واجبة.. لكن أسباب إثارة القضية.. وتبني السفير الكويتي في واشنطن لها.. لا علاقة له بتطبيق العدالة.. وحقوق الإنسان.. وإنما تتعلق بسمعة الكويت في مجال حقوق الإنسان. وقضية “نعمات فرحات” ليست الأولى التي يتم التعامل معها.. بفعل ضغوط خارجية تؤمن بالأوطان وحقوقه.. فقضية المستخدمات الفلبينيات.. ثم البت فيها أيضاً.. بعد أن أثيرت القضية خارج أسوار الوطن.
حقوق الإنسان هي قضية متكاملة لا يمكن تجزئتها.. وبما أن حقوق الإنسان العربي بصورة عامة ما زالت مجزأة.. ومصنفة حسب معايير ومقاييس اجتماعية.. واقتصادية وسياسية.. فإن الخلاصة أنها لا تزال مشاريع في طور الآمال والأماني.. أما حقوق الإنسان في هذا الوطن، وعلى الرغم من إقامة لجنة برلمانية للدفاع عن حقوق الإنسان.. إلا أنها ما زالت محصورة في نشاطات الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان.. وجمعية الدفاع عن ضحايا الحرب.. أما فيما هو خارج مجال تلك الهيئتين.. فإن انتهاك حقوق الإنسان هو واقع قائم باستمرار.. سواء انتهاك حقوق عمل.. أو حقوق سياسية.. أو اجتماعية.
حقوق الإنسان لن تكون واقعاً أبداً.. إلا إذا خرجت من نطاق المؤتمرات.. والدراسات.. واللجان.. والمنظمات.. واستقرت في ضمير المواطن.. قبل الحكومة.. ونبعت من إحساس داخلي بالبشرية ومعاناتها.. قبل أن تكون فرضاً وضغوطاً خارجية.. وطبقت كحقوق أساسية للمواطن الجائع في أفريقيا.. كما هي للرجل الأشقر في أوروبا!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى