
هذه المقالة كان يفترض أن أنشرها يوم 30 مارس في الذكرى الأربعين لرحيل العندليب، لكن أحداث المنطقة تمنعنا حتى من استدعاء الفرح.
السفر بالسيارة متعة ما بعدها متعة، خاصة في أوروبا، حيث لا تصطدم بحدود، ولا ترهقك إجراءات أمنية، بل إنك لا تدرك بأنك قد دخلت حدوداً جديدة إلا من خلال رسالة هاتفية من شركات الاتصالات ترحب بك في الدولة الفلانية، وغالباً ما تقتصر رسائل الترفيه في السيارة على الأغاني المسجلة، فتربط ذاكرتك أغنية محددة ببقعة جغرافية معينة!
ولكوني من عشاق العندليب عبدالحليم حافظ، فإن أغلب تنقلاتي في السفر تكون بصحبة حنجرته وفنه الجميل!
عبدالحليم حافظ، الذي عاش 47 عاماً منها 26 عاماً زاخرة بالنشاط الفني، لم يكن مطرباً وفناناً فحسب، بل كان صديقاً لزعماء سياسيين كالحبيب بورقيبة والحسن الثاني والملك حسين، وبالطبع لعبدالناصر!
قدم عبدالحليم حافظ أكثر من مئتين وثلاثين أغنية، وظهر في 16 فيلماً، جميعها لا تزال تُبث وتحظى بإقبال من جيل الشباب الذي لم يعاصر حليم، في قمة مجده وفنه وأدائه.
لم يخل المناخ الفني آنذاك من تنافس لم يكن في أغلبه شريفاً، حيث حاول الكثير استبدال “حليم” بأصوات لمطربين شباب آنذاك مثل ماهر العطار ومحرم فؤاد ومحمد رشدي، وغيرهم، لكنه بقي في القمة ولم يستطع أي من هؤلاء أن يتخطى هامة “حليم” التي بقيت شامخة حتى بعد وفاته، حيث عجز كل هؤلاء المطربين وغيرهم عن منافسة “حليم” سواء في حضوره أو في غيابه.
حين رحل في 30 مارس 1977 بكته الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها، ورثاه كتاب وفنانون وشعراء، فقال فيه محمد عبدالوهاب: “ستظل النغم الحلو الذي يشدو في أذن الملايين مدى الحياة”! أما الشاعر نزار قباني فقال: إن “حليم” غنى للناس بصدق يندر أن يتكرر! وجاءت كلمة الكاتب أحمد رجب لتصفعنا بالحقيقة، حيث قال: “سكت شدو البلابل الذي أشجانا على مر الأيام، ولم يبقَ على الشجر إلا نعيق الغربان”! وليت أحمد رجب يرى أي غربان ابتلي بها الفن اليوم!
“حليم” كان ظاهرة اخترقت حدود الزمن، فبقيت أغانيه جزءاً لا يتجزأ من الوجدان العربي! كان حالة فنية خاصة لن تتكرر، جمع بصوته كل طبقات الناس، كان يغني الحلم والمشروع القومي العربي، إلى جانب الطرب والفن الأصيل! كان صوته كما وصفه الأديب الراحل توفيق الحكيم: “الصوت القطيفة الذي يخرج من أعماق القلب وليس من الفم”!
رحم الله عبدالحليم حافظ بقدر ما أشجانا بصوته الذي مازال يملأ القلوب قبل الآذان!




