عالمنا المجنون

عالمنا المجنون
في عام 1963 خرج فيلم “إنه عالم مجنون، مجنون، مجنون”، وهو فيلم كوميدي يحكي قصة مجرم مُدان بسرقة مصنع تونة، ويقضي 15 عاماً في السجن، قبل أن يخرج ويغادر بسيارته مسرعاً على طريق جبلي، حيث تنحرف السيارة ويُصاب إصابة بالغة، وعلى إثرها يأتي لمساعدته خمسة رجال، وهم: طبيب أسنان، وسائق شاحنة، ورجل أعمال جبان، إضافة إلى صديقين كانا في طريقهما إلى لاس فيغاس.
قبل وفاته إثر الحادث يُخبرهم عن 350000 دولار مدفونة في منتزه قرب الحدود المكسيكية، لكن كالعادة، وبدلاً من أن تتفق المجموعة على طريقة لتقسيم النقود فيما بينها، تُقرّر أنه من سَيَضَع يده على الثروة ستكون مُلكَهُ وحده، ويبدأ سباق محموم على النقود، ثم ليدخل معهم في السباق آخرون.
بالإمكان اختصار هذا الفيلم الكوميدي وإسقاطه على الحروب الدائرة في العالم، فالجنون هو فقط عنوان كل الحروب من حولنا اليوم، فلم يعد أحدٌ يعلم مَن يحارب مَن، ولا مَن ضد مَن، ولا لماذا يحارب هؤلاء؟
هنالك قطعاً استراتيجيات سياسية وعسكرية بعيدة المدى تَحكُم تلك الحروب، لكن هذه معلومات متوفّرة فقط لمن يملك حق وأدوات إشعال الحروب، بينما تبقى الشعوب، وبالرغم من كونها المُتلقّي الأول لمخاطر تلك الحروب وأهوالها، لا تملك إلا أن تصف ما يحدث بالجنون.
فها هو كيسنجر، وزير خارجية أمريكا الأسبق، وأدهى العقول وأمكرها في إدارة وإشعال الحروب، يقول في بداية الحرب في أوكرانيا إن على أوكرانيا أن تَتَخلّى عن بعض الأراضي لروسيا، محذّراً من إلحاق الهزيمة ببوتين، وهو التصريح الذي اعتبره الكثيرون مسانداً لروسيا آنذاك، أي في بداية الحرب، لكنه سرعان ما غيّر من تصريحاته تلك، وبعد ثمانية أشهر من الحرب، لِيُعلِن أن روسيا بطريقة ما قد خسرت الحرب بالفعل في أوكرانيا، منتقداً ما أسماه شيطنةأمريكا والغرب للرئيس بوتين، ومعتبراً أن ذلك عمل غير سياسي ودليل على غياب السياسة، وقال فيما قال إن الحوار ضروري بين الغرب وروسيا، وإننا – أي أمريكا وأوروبا ـ نحتاج وبشدّة إلى بعض الحوار، ربما على مستوى غير رسمي، وربما بطريقة استكشافية، لأن ذلك مهم جداً، خصوصاً أننا في بيئة نووية يكون فيها الحوار أفضل بكثير من قرارات ساحة المعركة.
في مقابل تصريح كيسنجر المتناقض، تُصعّد أوروبا وإنكلترا من وتيرة الحرب، بل ويُعلن المسؤولون فيهما أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد، في حين خرجت كونداليزا رايس بتصريح تقول فيه إن الاقتصاد الأوكراني يقع في حالة خراب، وأن القدرة العسكرية الأوكرانية تعتمد بالكامل على المساعدات الغربية.
إنه حقاً عالم مجنون تماماً كأحداث الفيلم المُشار إليه في البداية، فكل الحروب تعكس حالة سباق مجنون بين المتنافسين على الجائزة أو الثروات، فأمريكا تدخل العراق وتُثير الفوضى ثم تنسحب، تدعم وتُسلّح الميليشيات الكردية ثم تنسحب لتُفسِح المجال لإيران وروسيا، تُسقط أنظمة سياسية وعسكرية، ثم تنزوي لتُراقب تداعيات الحدَث، وهكذا.
لعل الفرق الوحيد بين الحالتين أن الفيلم الكوميدي، الذي تناول جنون العالم، قد أشار إلى الجائزة المحفّزة لصراع الأشخاص الخمسة على مبلغ الـ350000 دولار المُخبّأة قرب الحدود المكسيكية، لكن في حالة جنون الحروب من حولنا تكون الجائزة من منظور صُنّاع الحروب فقط، فهم وحدهم من يُقرّر فائدة الحرب، ومن يَتَلقى بالفعل مردودها المالي والسياسي والأمني، وهم من يستخدم مصطلح حرب تحرير بدلاً من حرب استغلال، وحرب دعم حريات بدلاً من حرب هيمنة واستعمار، وحرب نشر الديمقراطيات، بدلاً من حرب دعم الديكتاتوريات، التي غالباً ما تتوافق مع مفهومهم للجائزة من وراء أي حرب.
لا توجد حرب مُستَحَقّة، أو على الأقل وفقاً لمفهوم الشعوب لمثل هذا الاستحقاق، بل إن ذلك ينطبق حتى على الجيوش التي ساهمت في تنفيذ مخططات الكبار للحروب، فها هو أحد أسرى الحرب البريطانيين، الذي وقع في يد الجيش الياباني، وقضى 15 عاماً من الأشغال الشاقة إلى أن انتهت الحرب العالمية الثانية، يقول في سؤال وُجّه له عن رأيه بالاحتفالات لمناسبة مرور 70 عاماً من السلام: “ليس المهم أن نحتفل، بل المهم أن لا نُكرّر التجربة المريرة”.
هذا كان رأي أحد الذين عانوا من ويلات الحروب، وهم يشكّلون الأغلبية من شعوب وجيوش العالم، لكنهم طبعاً لا يملكون قرار إشعالها ولا قرار إنهائها، وإنما يملك القرار مجانين يحكمون العالم ويتحكّمون به، ولتَصدق بذلك الصفة الكوميدية عليهم، وبأنهم يُديرون ويعيشون في عالم مجنون، مجنون، مجنون.

