ظاهرة صدام

ظاهرة صدام
هل انتهت ظاهرة صدام بسقوط دكتاتور العراق وحزبه الحاكم؟ أم أن القضاء عليه، والكشف بذلك عن تداعيات حكمه الدكتاتوري على العراق وشعبه هما أمر يثير القلق يوماً بعد يوم من “الظاهرة الصدامية” في المجتمع السياسي العربي؟ وهل يفتح سجل صدام حسين المليء بالعنف والرعب والإرهاب ملفات الأنظمة العربية بشكل عام، والأنظمة الدكتاتورية بشكل أكثر تحديداً؟
إن الثمن الذي دفعه العراق شعباً وأرضاً ومستقبلاً بسبب سيادة نظام دكتاتوري مجرم وقاتل يحمل رسالة مهمة وواضحة إلى كل الشعوب العربية، لكي لا يدفع في المستقبل شعب آخر ما دفعه العراق في مرحلة الحكم البعثي الصدامي الذي ستبقى آثاره مرسومة على الوجه العراقي الحزين!
“ظاهرة صدام” جاءت مجسمة في المثال العراقي، لكنها ليست الوحيدة في العالم العربي! والمغزى من الحالة العراقية يحمل من العبر والدروس الكثير والكثير، وإذا كانت الظروف السياسية المرحلية قد جعلت المصالح الغربية تتقاطع مع مصلحة العراق! فإننا لن نضمن تقاطعاً مشابهاً بالنسبة لدول وأنظمة عربية هي في طريقها الآن إلى التحول السريع نحو الظاهرة الصدامية!
لقد أصبح العنف ظاهرة عربية، وإن تفاوتت حدته من دولة إلى أخرى! وفي دراسة قدمها الدكتور حسنين توفيق إبراهيم حول ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية أرقام وإحصائيات مخيفة عن حجم آلة العنف في الأنظمة العربية، ومدى سيطرة القمع والإرهاب وامتداده في الجسم السياسي العربي! سواء من خلال خلق “الصراعات المتوازنة” التي يعمد فيها النظام إلى موازنة قوة اجتماعية بأخرى، وضرب تيار سياسي بآخر دون الدخول بشكل فعلي ومباشر، وبحيث يتم إنهاك كل القوى في المجتمع! أو من خلال العنف الجسدي المباشر من اعتقال وتعذيب وإعدام! أو في العنف السياسي المتمثل بحجب الحريات وخرق حقوق الإنسان ومنع حرية التعبير والرأي!
إن الرسالة التي توجهها الحالة العراقية بالصوت والصورة هي أبلغ وأوضح من أن تتجاهلها أو تنصرف عنها شعوب العالم العربي!
تقول فحوى الرسالة إن الشعوب تخلق الطغاة، والضحايا هم الذين يقدمون السلاح لجزاريهم، فهم الذين يمهدون لهم أداة الجريمة وسبيل العنف، وذلك بتنازلهم عن حقوقهم أياً كان طابعها!
للإمام علي، كرم الله وجهه، مقولة شهيرة، وهو الملقب بأبي الأحرار: “إذا لم تكونوا أحراراً في دينكم فكونوا أحراراً في دنياكم”، في إشارة واضحة إلى أهمية الحرية بشكل عام! وذلك هو جل ما يفتقده الفرد العربي الذي تنازل كثيراً عن ذلك الحق حتى أصبح العالم العربي عرشاً رخيصاً لدكتاتوريات تعاقبت على إدارته، يخلدها مناخ زائف ومشوه من الإدارة السياسية المغلفة بعنف العسكر وآلته، ولم تسلم من ذلك الزيف حكومات رفعت شعار الليبرالية والديمقراطية والتعددية، غير أنها سرعان ما تحولت إلى أنظمة وراثية تتلاعب بدساتير الشعوب، فتنقحها وتلونها لتتلاءم مع طموحاتها السياسية الضيقة والشخصية!
لقد أصبح النظام المتسلط والخانق للحريات البشرية كالنغمة النشاز في وسط عزف أوبرالي يتغنى بالحريات والحقوق، خصوصاً في ظل ما تشهده البشرية من تحول دراماتيكي في فنون الاتصال والمعرفة عزز لدى العالم من حولنا أهمية الحرية في الحركة والقول والرأي! وإذا كان الغرب قد تحرك لردع دكتاتوريات كدكتاتورية صدام حسين ليقينه بتهديدها المباشر لأمنه القومي ولاستقراره السياسي! فإن الوقت قد حان بالنسبة للعرب لكي يدركوا حجم المخاطر التي تهدد استقرارهم وأمنهم طالما بقيت “ظاهرة صدام” نهجاً ومسلكاً عربياً خالداً!
