الأرشيف

طلاء الأظافر.. والتميز العلمي

[جريدة القبس 10/11/1997]

**لماذا تستثني مجلة “تحت العشرين” الفتيات غير المحجبات من لقاءاتها حتى لو كن من رائدات النشاط المدرسي؟ إنه قصور في الوعي لمشاكل الفتيات وهمومهن يرى الأمور بهوامشها ويؤكد على الخلل الكبير في عملية تقييم الفرد والمجتمع**
بدأت مجلة “تحت العشرين” عامها الثاني، وهي مجلة تعنى بشؤون الفتيات اللاتي في هذه المرحلة العمرية، ولا خلاف بأنها مجلة أنيقة، بطباعة راقية وجيدة، تنم عن قدرات مالية وإدارية مميزة وكبيرة.
مجلة “تحت العشرين”، هذه أجرت في العام الماضي لقاءات مختلفة مع عدد من الطالبات في إحدى المدارس الثانوية. وبالطبع فقد كانت هنالك صور ولقطات لتلك اللقاءات حدثتني إحداهن، وقد كانت طالبة متفوقة مشهوداً لها بالكفاءة والأخلاق، متميزة على مستوى الأنشطة الاجتماعية والفنية والأدبية في المدرسة، ومتفوقة في درجاتها العلمية.. حدثتني تلك الطالبة بدهشة لم تخل من انفعال واضح، عن إصرار مجلة “تحت العشرين” على استثناء أي طالبة غير محجبة من اللقاء، وخاصة التصوير.
ولقد أكدت في حديثها أن الفريق الذي أجرى تلك اللقاءات، كان صريحاً وواضحاً برفضه، قولاً وفعلاً، إجراء أي لقاء مع أي طالبة غير محجبة!! حتى وإن كانت من رائدات النشاط المدرسي. أو من المتفوقات علمياً!! هذه الطالبة، وبالرغم من سنوات عمرها الغض بدت أكثر نضجاً ووعياً من أولئك الكبار المشرفين على إعداد وإصدار مجلة “تحت العشرين” حين أكدت لهم أنها لا ترى أي علاقة بين الحجاب وبين المقدرة العلمية، أو القدرة والطلاقة في التعبير عن الرأي، أو في الحديث عن مشاكل وقضايا شباب تحت العشرين، وهو الموضوع الذي كانت تعالجه المجلة يومها.
مجلة “تحت العشرين” تعود من جديد، وإن كانت لم تتوقف قط عن ذلك الأسلوب الشكلي والهامشي في الطرح والحديث عن قضايا الشباب ومشاغلهم، حين أفردت في عددها الصادر في شهر اكتوبر 1997 تحقيقاً حول الصرعات الجديدة التي اقتحمت أسوار الجامعة. وبالطبع فقد تناولت المجلة وبالنقد الشديد، بعض صرعات الموضة الشبابية كألوان طلاء الأظافر. والملصقات التي يستخدمها بعض الشباب على سياراتهم.
وقد يكون من حق المجلة أن تعبر عن وجهة نظرها في مثل تلك الصراعات. غير أنها لا تملك الحق في أن تربط بين مثل هذه النزعات الشبابية وبين التخصصات العلمية المختلفة.
فبحسب وجهة نظر المجلة، فإن “تمركز الفتيات المحبات للمظاهر واللاهثات وراء آخر الصيحات”، على حد قول المجلة، قد كان واضحاً في كلية العلوم الإدارية، بينما تأتي “طبيعة الدراسة في كلية الشريعة، واهتمام الطلبة بالعلوم الشرعية، ورغبة الجميع في الاستزادة من الفقه الإسلامي”، وكما ذكرت المجلة، كحاجز قوي يحول دون تفشي تلك المظاهر!!
هذا بلا شك تحليل هامشي يخلو من أدنى درجات الموضوعية والتجرد، ويتطرق للجانب الشكلي البحت من القضايا الشبابية بوجه عام، فإذا كانت المجلة محقة وصادقة في تحليلها واستفتائها الشكلي بما يتعلق بطلاء الأظافر وملصقات السيارات بين كلية العلوم الإدارية من جهة وكلية الشريعة من جهة أخرى. فإن للأكاديميين في الجامعة استفتاءهم الجوهري والعميق للفروقات العلمية والقدرات الأكاديمية الواضحة التي يتميز بها طلبة كلية العلوم الإدارية، هذه الكلية الفنية التي تطمح لأن ترقى بالجانب العلمي والمعرفي للشباب، دون أن يتداخل ذلك مع هيئتهم الخارجية، أو توجهاتهم الشكلية البحتة.
لقد أدت عملية الربط بين الحجاب خاصة والأخلاق بشكل عام، إلى سلبيات بدت واضحة وجلية في الاستخدام الخاطئ والشاذ للحجاب الذي أصبحنا جميعاً نراه ونعيه من حولنا، ليس على نطاق الجامعة وحسب، بل وفي المجتمع بشكل عام.
حتى لقد طغى الجانب الشكلي من الدين على ثقافة الشباب الدينية بصورة أصبحت تتطلب تدخلاً من الوعي والرأي العام لإعادة الثقافة الدينية السوية والجوهرية لشبابنا، وللحفاظ على الدين مدخلاً لتقويم أداء الفرد وعمله وعقله، قبل أن يكون في شكله ومظهره الخارجي فقط وتلك بلا شك مسؤولية المجتمع بأفراده ومؤسساته وإعلامه.
الصرعات الشبابية وفي كل المجتمعات البشرية، هي بلا شك مظاهر لأسباب عديدة ومعقدة لذا، فإن اختزالها في تخصص علمي معين، أو في لباس خارجي يعني بلا شك، قصوراً في وعي المجتمع، وتهميشاً للشروط المجتمعية المعتمدة لدى كل المجتمعات البشرية، في تقييم الفرد وأدائه ودوره في المجتمع!!
لذا فقد جاءت “الفتوى الشرعية” من مجلة “تحت العشرين” باستثناء غير المحجبة من الحديث والتعبير عن رأيها، معبرة عن ذلك القصور في الوعي والثقافة الدينية.. كما كان استنتاج المجلة ذاتها للعلاقة بين الصرعة الشبابية والتخصص العلمي، مؤكداً على الخلل الكبير في عملية تقييم الفرد بوجه عام!! ولا نتصور أن هناك علاقة منطقية بين طلاء الأظافر، والتميز العلمي!! إلا في العقول الشاذة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى