طريق الحكمة يسلكه أولئك الذين تجردوا من الأنانية..

مع ارتفاع مؤشر القلق والتوتر والكراهية والعدائية في المجتمع البشري، تعود رياضة اليوغا وفلسفة التأمل إلى الصدارة وبقوة، فأصبحت رياضة شائعة وممارسة من قبل فئات مختلفة!
اليوغا ليست رياضة فقط وإنما فلسفة تقوم على أساس أن التحرر الروحي يحصل حين تتحرر النفس من ارتباطها بالمادة، وهي تشتمل على تمارين بدنية وتمارين للتحكم بالتنفس! أحدهم عرّف اليوغا بأنها طريقة فنية أو ضوابط محددة من التصوف والزهد والتأمل ترمي إلى خبرة روحية وفهم عميق جداً أو بصيرة مطلقة!
الفكرة الخاطئة عن اليوغا أنها دين يرتبط بالديانة البوذية أو الهندوسية، وهي فكرة تتناقض مع أسس اليوغا التي لا تشترط على ممارسها أن يتبع ديانة محددة أو أن يتخلى عن عقيدة ما!
تجربتي الشخصية مع اليوغا والتأمل عمرها ثمانية وعشرون عاماً من الممارسة شبه المنتظمة، ومع ذلك فلا أزال في بداية الطريق بل قد لا أكون قد خطوت أكثر من خطوة أو خطوتين في طريق الحكمة الطويل!
من الصعب قياس التقدم الروحاني والارتقاء في اليوغا، فالعملية هنا تعتمد على الممارسة التراكمية والتدرج الذي يصعب قياسه بشكل دقيق، أما طريق الحكمة فلا يسلكه إلا أولئك الذين استطاعوا أن يجردوا الروح من المأزق البشري الأول والمتمثل في عنصر الأنانية أو الأنا الكبرى!
في فلسفة اليوغا يشترط على سالكي طريق الحكمة حسم الصراع الأزلي بين الأنا ممثلة بالمادة والملموس، وبين الروح المتصلة بالمطلق المجرد! وهو الصراع الذي تحسمه واحدة من النهايتين، إما تجرد وحكمة وفناء في المطلق، وإما سقوط في عالم المادة الذي هو أشبه بخيوط العنكبوت الذي إذا سقطت فيه حشرة فإن كل خطوة تسعى من ورائها إلى التحرر من شبكة الخيوط تجرها إلى المزيد من التعقيد!
نسمع كثيراً عن حكماء أفنوا حياتهم في سبيل الوصول إلى طريق الحكمة، ونسمع كذلك من هؤلاء أنهم عاشوا حياتهم في الكهوف، والصوامع، وانقطعوا عن العالم المادي وعن كل ما من شأنه تلويث صفاء روحهم ونقائها! وهو ما يجعل ممارسة اليوغا والتأمل بالنسبة للكثيرين أمراً في غاية الصعوبة إن لم يكن من ضروب المستحيل! لكن مع تجارب بعض الروحانيين، ممن أدركوا الاستنارة أو الفناء في المطلق دون الحاجة إلى هجرة العالم المادي أو الانزواء في كهف أو صومعة، شجعت الكثيرين على ارتياد طريق الحكمة وتحقيق نجاحات كبيرة، أحد هؤلاء هو ايكارت تول الكاتب الروحاني الألماني الذي تم اختياره كأهم الروحانيين الأحياء! ايكارت، صاحب كتاب “قوة اللحظة الراهنة”، اختصر الزمن المطلوب عادة للوصول إلى حالة اليقظة التامة بفلسفة بسيطة، حيث اعتبر أن التعامل مع الزمن وتقسيمه إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل هو مصدر كل الآلام البشرية، وأن الماضي والمستقبل ليسا سوى أفكار ونشاط من العقل، أي أن ليس لهما وجود حقيقي في مفهوم الزمن، وأن الحاضر أو اللحظة الراهنة هي الزمن الحقيقي الوحيد!
اليوغا إذاً ليست رياضة تحقق جمالاً وتناسقاً جسمانياً، بل هي نظام للروح والجسد والعقل، تعيد التوازن للجسم، وتحقق الصفاء الذهني والسلام الروحي، وكلها أمور نحتاجها جداً في زمن أصبحت الحروب والقتل والعنف هي محور العلاقة البشرية!
