صوت الإنسان

صوت الإنسان
في نداء مؤلم ومؤسف وجهه الزميل حميد المالكي إلى أساتذة جامعة الكويت في مقاله المنشور في جريدة “الطليعة” الصادرة بتاريخ 6 ديسمبر يترجم من خلاله السيد حميد المالكي حجم المعاناة العراقية المصحوبة بتخاذل عربي ضاعف من حجم المعاناة وأطال في أمدها ومداها!!
فالذين يتوقون لمعرفة بعض من الأسباب التي تبيح لمجرمين كصدام حسين ورفاقه وتعطيهم القوة للاستمرار والبقاء، ما عليهم سوى أن يقرأوا نداء حميد المالكي ليكتشفوا كيف تساهم الأنظمة العربية في تغذية نظام صدام حسين وفي تعذيب الشعب العراقي!! حيث يحدثنا عن أحوال أربعة ملايين عراقي هربوا من جحيم صدام حسين لتصطادهم شباك المخابرات العراقية بالتعاون مع الأنظمة العربية!! فهنالك عدد من أساتذة الجامعات والمدرسين وأهل الكفاءات العلمية والمهنية من العراقيين الذين يعملون في الجامعات الأوروبية والعربية بنظام الإعارات.
وبما أن هؤلاء يرفضون العودة إلى العراق فقد جنّد النظام العراقي سفاراته ومكاتبه وقنصلياته لملاحقة هؤلاء ومضايقتهم في أرزاقهم!! وقد نجحت سفارة النظام في ليبيا في إقناع الحكومة الليبية بمطالب نظام صدام حسين الدموي فطردت أربعة وثمانين أستاذاً من العاملين في جامعاتها ومدارسها واستولت على مستحقاتهم المالية بالرغم من علم السلطات الليبية بالأسباب القاهرة التي دعتهم إلى رفض العودة إلى العراق!!
كم نتمنى لو أدركت مؤسسات إعلامية كقناة “الجزيرة” و”أبو ظبي” وكتاب وإعلاميون كـ “عبدالباري عطوان” و”فيصل القاسم” حجم الضرر الذي يتكبده الشعب العراقي بالدرجة الأولى نتيجة لدعمهم وانتصارهم للنظام العراقي!! لكن المشكلة أنهم يدركون ويعلمون ولكنهم وبكل أسف قد وقعوا في شباك المخابرات العراقية التي كانت وراء ترحيل وطرد الأربعة وثمانين أستاذاً عراقياً من ليبيا.
إن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها الشعب في العراق ليست الحصار الاقتصادي ولا العزلة السياسية وإنما هي في تلك الرعاية المستترة التي توفرها بعض الأنظمة العربية لنظام بغداد من خلال مؤسسات إعلامية وغير إعلامية!! وكم نتمنى لو أن واحدة فقط من تلك المؤسسات أو الصحف تبنت قضية هؤلاء الأساتذة المطرودين واستخدمتها بأمانة للتذكير وللتحذير من دور مخابرات النظام العراقي في اضطهاد الشعب العراقي خارج الدولة وحدود القطر!! خصوصاً أن مشروعاً كهذا سيصب مباشرة في مصلحة أربعة ملايين عراقي هارب من جحيم صدام ونظامه تتجاهلهم تماماً قناة الجزيرة ويتناساهم “عبدالباري عطوان” في نضالهم لنصرة الشعب العراقي المنكوب!!
إن مشكلة هؤلاء الأربعة وثمانين أستاذاً هي نفسها مشكلة الأربعة ملايين لاجئ وهي في النهاية تتكرر في حالة المشكلة والأزمة التي يعاني منها الشعب في العراق ملخصها أن مصالح كثيرة لا تزال تقع في جانب استمرار الوضع الراهن في العراق واستمرار صدام حسين في الحكم!! بما في ذلك قنوات النضال الإعلامية كـ”الجزيرة” و”أبو ظبي”، على الرغم من كل التصريحات المخالفة لهذا الواقع ولتلك الحقيقة والتي لا يتوقف أنصار الشعب العراقي الزائفون عن ترديدها وتكرارها!!
لقد أكدت لنا وتؤكد الأزمة العراقية منذ بداياتها في حرب العراق وإيران وحتى الوقت الراهن، بأننا كشعوب بحاجة إلى صوت نضالي محايد وغير مسيّس أو تابع لأي سلطة، وذلك لكي يعبر عن أزماتنا ومشاكلنا وعن احتياجاتنا دون أن يقع في حرج بسبب تحالفات أو اتفاقات سياسية!! صوت الإنسان الخالي من أي دوافع أو نزعات سياسية أو غيرها!! فمن خلال ذلك الصوت فقط يستطيع هؤلاء الأربعة وثمانون أستاذاً الذين بتر النظام العراقي مصدر رزقهم ورزق أبنائهم، أن يصرخوا وأن يتظلموا. كما يستطيع أي من أولئك الأربعة ملايين عراقي أن يعبروا من خلاله عن معاناتهم وآلامهم!!
ومن دون ذلك الصوت الإنساني ستبقى الأزمة العراقية رهن الأمزجة السياسية العربية وغيرها، وسيبقى الشعب في العراق أسير تحالفات تعقدها مصر أو البحرين أو قطر مع نظام الحكم في بغداد، وسيبقى هؤلاء الأربعة وثمانون مسكيناً كما بقي الأربعة ملايين عراقي في انتظار صوت الإنسان القادم من خلف أنظمة الحكم والتحالفات والمصالح السياسية!! فمتى ينطلق ذلك الصوت ملبياً لنداء الزميل “حميد المالكي”!!
