
العلم نورٌ، لكنه للأسف لا يَشِع على الجميع، ولا يُنير كل زوايا الأرض، فهنالك في مقابل تلك المقولة الخالدة واقع آخر يتحدّث عن جهل استطاع أن يُزاحم ويُنافس طاقة العلم ونوره، حتى أصبحت له نظرية تتحدّث عن كيفية صناعة الجهل وتغييب العقول واستنساخ الأمزجة والتوجّهات فيما يُعرَف بسياسة القطيع.
تقول المصادر المتوافّرة بهذا الصدد أن صناعة الجهل هو تخصص علمي نادر يجري توظيفه ونشره بطرق علمية عالية الدقة. حتى ظهر ما يُسَمى بعلم الجهل في عام 1922 بعد أن نشرَت إحدى شركات تصنيع السجائر مذكرة تقول فيها: “إن الشك هو وسيلتنا الأفضل لمواجهة حقيقة مخاطر التدخين التي تسكن عقول الناس”، وبالتالي تتمكّن تلك الشركات من ترويج منتجاتها باعتبارها آمنة. ثم تَطوّر علم صناعة الجهل في ثمانينيات القرن الماضي وكان السبب في ذلك ما تم كَشفَه من مذكرة سرّية عام 1979 قامت بصياغتها إحدى شركات السجائر إبان تزايد أعداد المناهضين للتدخين، وقد ذكرت تلك الشركة في مذكرتها التي أطلَقَت عليها اسم “مُقتَرَح التدخين والصحة” أن أفضل طريقة لترويج تدخين السجائر هو من خلال خَلْق حالة من الشك بين المدخنين وبشكل يسهّل التغلّب على المفاهيم الراسخة بالعقل والذاكرة، التي تؤكّد مضار التدخين.
مثل هذه الشركات تَفخَر اليوم بنجاح خطتها في ترسيخ الجهل من خلال الشك بدليل رواج التدخين وتضاعف عدد المدخنين بالرغم من كل التحذيرات التي أصبحت على شكل مُلصَقات فوق علب السجائر. وهو ما يرجّح نجاح نظرية صناعة الجهل في هذا المثال، والذي اعتمد على نشر الارتباك والخِداع مع حالة من عدم المعرفة أو عدم الجَزْم بحقيقة مخاطر التدخين.
في نهاية القرن الماضي كانت أدوات صناعة الجهل محدودة، سواء على نطاق الإعلام الضيّق أو على مستوى الصحافة التقليدية، ومع ذلك فقد نجَحَت بعض الجهود آنذاك في غرس ثقافة الجهل أو الوهم والشك عن طريق بث معلومات وأخبار غير دقيقة أو تَفتَقد الصحة والبرهان العلمي. لكن اليوم، ومع سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي وانتشارها لتكون بديلاً عن العلاقات الاجتماعية التقليدية، ومع ما توفّره من أدوات قادرة على تزييف وتحوير الحقائق وبدقّة رهيبة، أصبحت صناعة الجهل مُزدَهِرة، فأغلب ما يتم بثّه عبر أدوات التواصل اليوم يتم عرضَه إما بشكل منقوص أو بتلاعب مُتَعمّد ومشوّه في الكثير من الأحيان. لم تعد شركات السجائر وحدها المسيطرة في عالم صناعة الجهل، بل أصبح للعلم حصّة وللطب حصّتان ولكل مناحي المعرفة حصص متفاوتة.
الجهل لا يعني بالضرورة غياب المعرفة فقط، بل قد يكون العكس صحيحاً هنا، خاصة في ظل الزخم المعلوماتي الذي أصبحت توفّره “الإنترنت”، فقد يكون الجهل هنا بمعنى سوء إدارة ومعالجة المعلومات الواردة، خاصة في ظل التضليل وحالة الإرباك والشك التي يصنعها مثل هذا التفاعل الافتراضي الوهمي.
شهدنا بعضاً من مثل هذه الصناعة للجهل في زمن الجائحة، حيث حجَبَت المعلومات المُتضارِبة وزخمها القُدرة لدى أغلب الناس، بمن فيهم الحكومات على اتخاذ القرارات الصائبة والمُناسبة، وبالطبع دخلت على خط هذه الفوضى المعلوماتية شركات وأنظمة سياسية وأصحاب نفوذ وسُلطة، كلٌ يسوّق بضاعته وفكره ومشروعه، سواء كان سياسياً أم اقتصادياً أم صحياً، حتى أصبح التضليل وصناعة الجهل من الطقوس المُعتادة في زمن الجائحة، فأصبح لكل يوم نظريته، ومع كل شروق شمس فتوى علمية حول الفيروس واللقاح وتأثيرهما الآني والمستقبلي، وبشكل جعل التحليل العلمي والمنطقي مُغَيّباً في مقابل التحاليل العاطفية الناتجة عن حالات القلق والخوف والرعب التي انتابت البشرية جمعاء.
لا شك بأن المعرفة مصدر قوة ونفوذ وسُلطة، لكن اليوم يأتي الجهل ليُشكّل قوة قد لا تقل سُلطة ولا نفوذا، وإذا كانت سطوة ونفوذ علم الجهل قائمة على إنتاج المعلومات الزائفة أو غير الموثّقة علمياً، فإن المواجهة يجب أن تكون علمية كذلك من خلال غربلة منافذ المعلومات، وهو ما أصبحت اليوم تُدركه كبرى الشركات، مثل غوغل وفيسبوك اللتين أعلنتا عن مشروعهما لدعم الحرب في مواجهة صناعة الجهل.
