
منذ ما يقارب الأربعة أو خمسة أعوام تعرضت سيدة كويتية لحادث في ممشى منطقة الضاحية سببه شاب يقود دراجة نارية، وعلى الرغم من أن الممشى مخصص للمشاة وهواة رياضة المشي، إلا أن صاحب الدراجة النارية اقتحم تلك الخصوصية وسبب بما تسبب به من أذى لتلك السيدة.
يومها شنت وزارة الداخلية حملة تطهير لمنطقة ضاحية عبدالله السالم خاصة من بعض الشباب المتهورين أصحاب الدراجات النارية، وبالفعل استطاع المسؤول عن عملية التطهير أن يقطع شوطاً لا بأس به في تلك العملية، إلا أن “الأوامر” صدرت بوقف عملية التطهير لأسباب مجهولة وغامضة!
بالأمس حصلت حادثة مشابهة لحادثة السيدة الكويتية، ولكن لشاب كويتي هذه المرة، وإن كان في موقع الحادثة السابقة نفسه، أي في ممشى ضاحية عبدالله السالم، حيث اقتحم شاب يقود “البجي” خانة المشاة متسبباً بإصابة أحد المشاة الذي تم نقله فوراً إلى المستشفى ليخضع لعملية جراحية فورية.
من الواضح أن غياب القوانين أو تغييبها وتجاهلها يأتي كأبرز الأسباب، بل في أولها في حجم الحوادث المرورية في الكويت وعدد ضحاياها، فأغلب حوادث المرور يكون وراءها خرق متعمد وواضح إما للسرعة القصوى أو لإشارات المرور أو لأي من قوانين القيادة وأخلاقها، وإذا كانت الجهات المسؤولة والكاميرات المخصصة قد وجدت صعوبة ـ هي بالتأكيد ليست منطقية ـ في محاصرة وردع المخالفين لقوانين المرور، فإن لا عذر على الإطلاق لفشل أجهزة المرور عن منع ظاهرة فوضى “البجيات” التي أصبحت تشارك السيارات في شوارع الكويت مسببة الحوادث لراكبيها وللآخرين.
لقد تقدم الكثير من المواطنين بشكاوى عديدة تطالب بوضع حد للفوضى المرورية التي تسببها الدراجات النارية والبجيات، خاصة في الشارع الفاصل بين منطقة الفيحاء ومنطقة ضاحية عبدالله السالم، هذا الشارع الذي يتحول في كل ليلة إلى مضمار سباق للدراجات النارية والبجيات، لكن من الواضح أن لا أحد يصغي لتلك الشكاوى من المواطنين بدليل استمرار حرب الشوارع مع كل ما تسببه من مخاطر وفوضى وإزعاج لقاطني المنطقتين، فلو كانت هنالك حقاً محاسبة أو مراجعة لهؤلاء المخالفين لما تضاعف عدد البجيات المتجولة في مناطق مأهولة بالأطفال والشيوخ وغيرهم، ولما تمادى أصحابها في اختراق مستمر للقوانين واقتحام الممرات المخصصة للمارة والممارسين لرياضة المشي، ولما استمر أصحاب الدراجات النارية في استخدام الطريق بهذه الصورة ودون أدنى قدر من خوف أو خشية لقوانين أصبحت وبكل أسف مجمدة وعاجزة.
المحزن في الأمر هنا ليس فقط في تخطي شباب البجيات لحقوق مستخدمي الطرق والمرافق، وإنما هو في الصمت الذي يمارسه المشرعون والمسؤولون خاصة في مجلس الأمة تجاه ظاهرة أصبحت تشكل خطراً على المواطنين وذلك في مقابل الترويج لمشاريع عقيمة كمنع الموسيقى، وإلغاء الاحتفالات وتحريم مشاركة “النصارى” احتفالاتهم السنوية.
إن الفرق بين المجتمعات الحضارية والمتقدمة من جهة، والمجتمعات البدائية والمتخلفة من جهة أخرى يكمن بلا شك في القوانين الفاعلة والمنظمة لشؤون البشر وتعاملاتهم فيما بينهم، ولا نقصد بالقوانين هنا في إطارها التشريعي وحسب، وإنما في الإطار التنفيذي وهو الأهم هنا فلا بد أن يكون هنالك قانون يحظر قيادة “البجي” في المدينة وشوارعها، وقانون يمنع قيادة الدراجات النارية وسط مماشي المارة، أو القيادة دون ارتداء الخوذة أو استخدام الإنارة الجيدة”.
تشريعياً، لا بد أن يكون لدينا مثل هذه القوانين، لكنها بالتأكيد عجزت عن أن تخرج عن إطارها التشريعي إلى حيز التنفيذ مما أدى إلى ما نشهده اليوم من فوضى وانفلات مروري واضح ومخيف.
إن مسؤولية تلك الحوادث لا تقع على مرتكبيها من قائدي الدراجات النارية والبجيات فحسب، وإنما تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على المسؤولين الذين ساهم صمتهم وتجميدهم للقوانين في استمرار الضرر والخطر القادم من “بجيات” صبية هم ضحايا أيضاً لصمت القوانين.
