الأرشيف

صراع الرولزرويس والتوك توك

[جريدة القبس 16/6/2020]

هل سقط جورج فلويد ضحية للعشرين دولاراً المزيفة، أم أن حادثة فلويد وما أعقبها من تداعيات أكبر بكثير من مجرد اختراق للقانون المصرفي؟!
تداعيات الحادثة التي وقعت في ولاية مينيابوليس الأمريكية وامتدت إلى كل أرجاء الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، تفتح باب الحوار على مصراعيه لمسألة غياب العدالة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية من مجتمعات البشر اليوم، وبشكل سافر ومقزز في أحيان كثيرة.
فكيف لا تنفجر الشوارع ونحن نعيش في عالم تتفاوت فيه الدخول بشكل رهيب، حتى أن ما ينفقه فرد على شراء حذاء قد يوازي دخل أسرة لعدة أشهر، بل وقد تتراكم المليارات في حساب واحد، بينما يعاني الأغلبية من شح في العيش قد يصل إلى نقص في الطعام أو الدواء.
من سخرية الأمور أن العالم يشهد ومنذ عام 2008، وهو العام الذي اعتمدت فيه منظمة العدل الدولية إعلانها بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة، أقول يشهد إحياء سنوياً في العشرين من فبراير لليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، ومع ذلك فما شهده ويشهده العالم على الأقل منذ ذلك الإعلان ليس سوى تدهور مخيف نحو المزيد من اللا عدالة والتفريط في كرامة الإنسان وعولمة الفقر والعوز والحاجة والجوع، في مقابل استحواذ نخبة من الناس على ثمار العولمة الاقتصادية الزائفة!
واضح أن الاستثمار وتدفق رؤوس الأموال والتقدم التكنولوجي ونمو الاقتصاد والأموال لم تخدم الشريحة الأكبر من العالم، وإلا لما ظهر البوعزيزي في الشرق وجورج فلويد في الغرب.
لا أحد يدعي إمكانية قيام الجمهورية الفاضلة أو العدالة الاجتماعية المطلقة، فتلك تبقى يوتوبياً بعيدة عن نزعة البشر وفطرتهم في الاستئثار بالموارد والخيرات، لكن قليلاً من المساواة في توزيع الثروات والامتيازات سيجعل العالم حتماً أقل عنفاً وغضباً.
فقد تكون العدالة الاجتماعية تصوراً فكرياً مثالياً، لكنه يبقى أساس قيام المجتمعات المستقرة وبالتالي المتطورة.
لن يكون جورج فلويد آخر ضحايا غياب مثل هذه العدالة، فهو كملايين غيره فقد وظيفته بسبب الكورونا، والتقارير الصادرة عن منظمات دولية تحذر اليوم من زيادة في أعداد العاطلين عن العمل في العالم بنحو 25 مليون شخص منذ ظهور الكورونا، ناهيك عن تخفيض كبير في ساعات العمل وفي الأجور لمن احتفظ بوظيفته.
لقد كشف فيروس كورونا مدى هشاشة أوضاع الكثيرين في العالم، وقد كان نصيب الطبقات الوسطى والفقيرة الأكبر في هذه الكارثة الصحية، مما يشير إلى احتمال زيادة التباين والفروقات الاجتماعية بشكل قد يفرز عنفاً وتمرداً وسخطاً لن يكون بالإمكان استدراك عواقبه.
قد لا يخرج من رحم هذا الوضع المنحرف في ميزان العدالة “روبن هود” يسرق من الأغنياء ليطعم الفقراء، لكن من المؤكد أن يؤدي هذا الغياب المفرط لأبسط أسس العدالة الاجتماعية إلى انفجار لن يسلم منه أحد سواء من يقود الرولزرويس أو من يحلم بالتوك توك!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى