صراع اقتصادي على سوريا

صراع اقتصادي على سوريا
من يقرأ كتاب جون بيركنز، الصادر في عام 2004، تحت عنوان “اعترافات قاتل اقتصادي”، قد يستطيع أن يفهم ولو قليلاً مبررات “الضربة” الثلاثية الأخيرة على سوريا! فعلى العكس من هجوم ترامب وقصفه لقاعدة الشعيرات، حين أطلع الرئيس الأمريكي أعضاء الكونغرس بعزمه قصف قاعدة الشعيرات السورية، فإنه لم يجد ضرورة لاتخاذ نفس الإجراء في قصفه الأخير لسوريا، فالأسواق العالمية في يوم راحة، حيث أمامها “ويك إند” لتتجنب تداعيات “الضربة” على أسعار الأسهم وصلابة الدولار واليورو! وكل ما على السياسيين المعنيين كترامب وماكرون وتيريزا ماي أن يقوموا بالترويج لأنفسهم داخلياً، والظهور بمظهر المتصدي للوحوش في الشرق الأوسط، والمناصر لحقوق الضعفاء، ممن تبيدهم الأسلحة الكيماوية، وكما لو كانت الحرب التقليدية تزفهم بالزغاريد والورد!
الحروب إجمالاً بشعة، ولا توجد حرب واحدة عبر التاريخ يمكن وصفها بكونها مستحقة أو ضرورية، لكنها اليوم تأتي لتكون أكثر بشاعة وقبحاً ـ في ظل سيطرة الفكر الرأسمالي، الذي لا يرى في الإنسان أكثر من كونه سلعة لها سعرها المحدد، وأسواقها التي تقوم بتحديد أسعار كل فئة بشرية وفقاً لمردودها الاقتصادي، والقائم طبعاً على موجودات وأصول تلك الفئة البشرية من موارد وثروات ومواقع استراتيجية. جون بيركنز، في كتابه “اعترافات قاتل اقتصادي”، أراد أن يكفر عن خطيئته، ويقلل من مشاعر الذنب التي تلتهمه بسبب ما قام به من دمار لشعوب وأمم وثروات، حين كان يعمل كقاتل اقتصادي، وحيث يعرف الكاتب مفهوم القتلة الاقتصاديين بأنهم رجال محترفون، يتقاضون أجراً عالياً لخداع دول العالم بابتزاز تريليونات الدولارات، ويحولونها لتصب أخيراً في خزائن الشركات الضخمة وجيوب قلة من الأسر الغنية، التي تتحكم بموارد الأرض الطبيعية!
قد لا تكون لعبة الحرب الاقتصادية مسألة جديدة أو غريبة، ففي المجتمعات الصحراوية مثلاً تعلمنا في المدارس أن من أسباب الحروب والغزوات البحث عن الكلأ والماء، وهو نفس السبب اليوم مع تغير الكلأ والماء إلى نفط وممرات استراتيجية وأسواق مفتوحة. إذاً لعبة الحروب الاقتصادية هي لعبة قديمة قدم الإمبراطوريات التي حكمت الأرض، لكنها اليوم وفي هذا الزمن العولمي، الذي تحكمه وتتحكم في مصيره الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للحدود الجغرافية والسياسية، أصبحت تأخذ أبعاداً جديدة ومخيفة ورهيبة!
من اعترافات جون بيركنز، في كتابه، ما ورد في قوله “إن مقياس نجاح الخبير يتناسب طرداً مع حجم القرض، بحيث يجبر المدين على التعثر بعد بضع سنوات، وعندئذ تفرض شروط الدائن التي تتنوع، مثل الموافقة على التصويت في الأمم المتحدة، أو السيطرة على موارد معينة في البلد المدين، أو قبول تواجد عسكري به، وتبقى الدول النامية بعد ذلك كله مدينة بالأموال!”.
الضربة الثلاثية على سوريا لم يحركها إذاً سلاح كيماوي، ولا جثث أطفال ممزقة، ولا دمار لسوريا، بقدر ما تغريها وتحركها موانئ استراتيجية واستحواذات جغرافية وانتصارات سياسية. والأهم حصص للشركات المتعددة الجنسيات في مشاريع إعمار سوريا حين يهدأ غبار الحرب!
هكذا يمكن أن نفهم دوافع “المشاعر الإنسانية” وراء العدوان الثلاثي على سوريا!
