شئون عربية

شيلمهن

“شيلِمْهن”!

“شيلِمْهِن” مصطلح باللهجة العراقية العامية، تحوّل إلى شعار متداوَل إثر سقوط صدام حسين عام 2003 في إشارة إلى مشكلة التخلّص من كل تلك الصور، والتماثيل والشعارات، والألقاب المُزَخرَفة لصدام حسين، والتي لا يكاد يخلو منها شارع أو مبنى أو مؤسسة حكومية أو زقاق في العراق كله، سقط صدام حسين وتمّت الإطاحة بكل تماثيله وشعاراته وصوره، وليدخل العراق في ما بعد في حلقة الصراع الطائفي المر، والعرقي الأكثر مرارة، وليفترسه في ما بعد غول الفساد المجرم، وأدوات قمع وعنف مستترة بشعارات حرية وديمقراطية ومساواة، وليُدرِك الناس معها بأن سقوط الطاغية وتمثاله ليس نهاية الظلم ولا نهاية المعركة بل بدايتها.
اليوم سقط تمثال بشار الأسد، وتمّت إزالة كل تماثيل حافظ الأسد الأب، وأهلنا في سوريا الحبيبة يكادون يكررون مقولة إخوانهم في العراق “شيلِمْهِن” في إشارة إلى صعوبة التخلّص من إرث طال عمره وأثره وتداعياته.
السؤال الذي تم طرحه في أعقاب سقوط تمثال صدام حسين، يتكرر اليوم إثر سقوط تمثال بشار الأسد، سؤال حول المهمة الأهم بعد السقوط ولملمة الآثار، فهذا هو الشق السهل من مهمة إصلاح الخراب الذي حل بالدولتين، “شيلِمْهِن” سيكون شعاراً مجدياً إذا ما تمت لملمة الأساسات التي خرج منها هؤلاء الطغاة، وبشكل يقطع الطريق مستقبلاً عن خروج أي طاغية أو مستبد أو فاسد، فالإطاحة بالتماثيل لن تؤدي إلى خلاص فعلي طالما بقيت مقوّمات عودة أمثالهم راسخة في البُنية السياسية والفكرية والاجتماعية.
في معظم أجزاء العالم العربي “شيْلِم” الفساد، و”شيلِمُ” الدكتاتورية والاستبداد والقمع، وكبت الحريات ووأد كل مظاهر الديمقراطية والتعددية السلمية، و”شيْلُم” سطوة العسكر، ونفوذ وسلطة المتنفذين الخارجين عن القانون وأسس الدولة السليمة، “شيْلِم” الجهل والتخلّف الذي يعتبر الحاضِنة الأولى للقمع ولسيطرة دول أخرى على الثروات والمُقدّرات.
لقد تضخّمت أرصدة بعض الزعامات العربية التي تدفعها الشعوب بدمائها وعرقها ومعاناتها، فأصبحت مئات المليارات من خيرات تلك الشعوب مُودَعَة في بنوك آمنة في العالم، اتقاء من هؤلاء للحظة سقوط تماثيلهم، ورأينا على الهواء مباشرة فخامة القصور، والغرف الملآى بالأموال والمجوهرات، ورفاهية العيش في مقابل زنازين تحت الأرض تم تخصيصها للمواطنين (الإرهابيين) والخارجين عن نظام الدولة أو نظام التمثال.
يذكّرنا، ويعلّمنا التاريخ مراراً وتكراراً، بأن القمع قد يكون مؤلماً جداً وأداة في يد الطغاة، لكنه لا يمكن أن يستمر، وتُعلّمنا الفيزياء أن الكبت الطويل لابد وأن يُحدِث الانفجار، وأن نوافذ الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والتعددية، هي الضامن للجميع، وهي الواقي من تشييد تماثيل سَتُسقِطها يوماً دورة الحياة الطبيعية.
بسقوط التماثيل في أكثر من عاصمة عربية، يقف العرب كلهم اليوم في مواجهة تحدٍّ وجودي، يشترط أولاً لملمة كل “مُبرّرات” الأوضاع السابقة التي أدّت إلى سقوطنا في أبسط المعارك السياسية والعسكرية والفكرية.
أمام العرب اليوم فرصة أخيرة لأن يلملموا إرث الماضي بكل صوره، وأن يُرسوا بدلاً منه قواعد ثابتة لا تترك ثقباً يلج منه طاغية أو دكتاتور أو فاسد آخر، قواعد وأساسات تقوم على الحريات أولاً، والمساواة والعدالة واحترام الأقليات والأديان والأعراق بشكل متساوٍ، فبدون مثل هذه الأسس، ستدور الدائرة بنا من جديد، ويخرج من الرماد طغاة سرعان ما يكبرون ويعيدون تشييد التماثيل من جديد، لنصرخ من جديد وبشعارنا، عراقي المنشأ، “شيلِمْهِن”!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى