
العصر الذي نعيشه.. هو عصر المعلومات والاتصالات.. عصر التكنولوجيا التي وصلت إلى الفضاء.. وعصر الكمبيوتر الذي اختصر الجهد البشري.. هو عصر جديد يمتاز بثورة جديدة في نمط ونوع الإنتاج. فبعد أن شهدت البشرية تغييرات جذرية شملت النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي صاحبت الثورة الزراعية ثم الثورة الصناعية.. تشهد البشرية الآن ثورة معلومات لها أيضاً تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وإن جاء تأثيرها على الإنتاج وعوامله بنظرية ومفهوم جديدين. فلم يعد الاهتمام بزيادة كمية الإنتاج هو الاهتمام الأول.. بقدر ما أصبح الآن اهتماماً بنوع ذلك الإنتاج.. مما أدى إلى انعكاسه المباشر على الدور المطلوب الآن من الفرد فالقوة العضلية والبدنية التي كانت مقياساً للقدرة الإنتاجية إبان العهد الزراعي والصناعي.. لم تعد هي الركيزة الأساسية الآن مع ما استجد في العصر الحديث، فبعد أن نجحت البشرية في تطوير العلم لتحل الآلة محل القوة العضلية للإنسان.. لم يعد التركيز على الجهد العضلي بقدر ما هو الآن تركيز على الجهد العقلي للإنسان.. والعمل على الاستفادة القصوى من إبداع العقل البشري.
درجة التقدم في هذا العصر.. أصبح مقياسها الأساسي توفر المعلومات أو نقصها.. ودقة المعلومات المتوفرة.. وصحتها.. والتي على أساسها تتاح الفرصة للتطور والتقدم وفق أسس صحيحة.
بمثل هذه المقاييس.. نحن ما زلنا شعوباً متأخرة.. ليس في عدم توفر المعلومات فحسب.. وإنما بافتقادنا لإجابات دقيقة وصحيحة مائة بالمائة لأسئلة وأمور كثيرة.. تتطلب المزيد من إعمال العقل والبحث.. والإخضاع لمزيد من الحوار العلمي.
ما زالت في مجتمعاتنا.. مناطق (محظورة). يحظر على العقل التوغل فيها.. ويمتنع الحوار عن الخوض فيها.. وينكر على ديكارت مقولته (أنا أفكر إذاً أنا موجود) فالتفكير تلك الخاصية البشرية هي أساساً عملية إدراك وتأمل ومناقشة.. تأتي باستنتاجات تصبح تطبيقاً عملياً إذا تم ثبوت صحتها.. أو تخضع للمزيد من التأمل والمناقشة إذا افتقدت للصحة وللعملية في التطبيق.. والتفكير يتطلب مناخاً ينمو ويثمر فيه.. فالتفكير يصبح عملية عقيمة ما لم يضمن المناخ العام قدراً كافياً من الحرية والصراحة للجهر بذلك الفكر.. والتي بغيرها يصبح الفكر ترفاً وجدلاً عقيماً فالتفكير نشاط إنساني لا ينمو في الفراغ.. وإنما في إطار المجموعات البشرية.. حتى يتم الاستفادة من المفكر إذا ما صحت آراؤه.. وهو دليل أكيد على أن الاتفاق أياً كان نوعه.. أمر مستحيل بين البشر.. وليبقى الفيصل في ثمار الحقيقة التي يأتي بها الفكر الجديد فهو الأسلوب الوحيد الذي قامت عليه حضارات وأمم كثيرة من قبل.. وهو الطريق الوحيد الذي تتقدم به المجتمعات من حولنا.. فالذين بنوا القارة الأمريكية.. لم يبنوها بالنظريات الرأسمالية القائمة الآن.. وإنما اصطحبوا معهم ما أتت به الثورة الفرنسية من فكر جديد.. يضمن قدراً أكبر من الحرية.. حتى يستطيعوا أن يتحركوا من خلال حرية الفكر تلك.. لبناء قوانينهم ونظمهم فيما بعد..
يختلف الأمر في مجتمعنا اختلافاً شديداً.. فالحرية التي هي أساس لأي عملية تفكير وتأمل.. مسألة قصرت على فئات دون أخرى.. وباب الاجتهاد في الرأي مفتوح للبعض دون الآخر.. وغير ذلك من الضوابط التي تفرض قيودها على أي محاولة للحوار.. وما يعنيه ذلك بالطبع من مصادرة لنتائجه سلفاً تلك القيود التي فرضها ويفرضها البعض إما باتباع أساليب إرهابية للتصدي للفكر المغاير والجديد.. أو بالإغراءات المادية والمعنوية التي قد لا يكون بوسع البعض صدها ومقاومتها.
الفكر الجديد لا يعني بالضرورة إلغاء ونقض ما سبقه من فكر وإبداع.. وإنما هو تمعن أطول وربما أعمق لما سبق من نظريات وطرح جديد ربما بروح العصر الذي نعيشه تساؤلات. والإجابة عليها بروح العصر الذي نعيشه والتفكير عملية متممة لما بدأه الغير.. فالنظرية العلمية الحديثة لم تلغ ما أتى به نيوتن وآينشتاين.. بل بدأت من حيث توقفوا.. ولولا ذلك الاستمرار في التفكير لكانت قصراً على مجال دون الآخر.. أو على فئة دون غيرها فالإبداع يتطلب قدراً من الحرية غير المقيدة بالمحرمات والممنوعات.. فالذين أمدوا البشرية بكل هذه الإنجازات.. استطاعوا ذلك فقط حين أدركوا أنهم حقاً أحرار في أن يناقشوا ويبحثوا فيما أنجزه الغير.. وليضيفوا ما استطاعوا إلى إنجازاتهم حتى لا تتوقف مسيرة البشر فبدون ضمان ذلك الإحساس بالحرية في التحرك والتفكير ستبقى كل النظريات على نشأتها الأولى.. وستعجز حين تصطدم بأسئلة وهموم ومتطلبات مراحل لا تحمل بالضرورة صفات المراحل السابقة.
مجتمعاتنا أنكرت على أفرادها تلك الحرية.. مؤثرة الانغلاق والنظرة القاصرة.. عن الاشكالات والتساؤلات التي قد يثيرها الفكر الجديد.. علماً بأن أغلب مجتمعاتنا تدين بدين هو أكثر الأديان تأكيداً على هذا الحق.. فالدين الإسلامي قد قرن العلم والعقل بالإيمان.. ولم يجعلهما أبداً على طرفي نقيض.. وما ذكر (أولي الألباب) و(الراسخون في العلم) و(الذين يتفكرون).. إلا دليلاً قاطعاً على أن الذين يعلمون ويفكرون لا يستوون والذين لا يعلمون ولا يفكرون فهو دين يطالب الإنسان أن يستخدم عقله “إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب” وهو دين يدعو إلى إقران الحقيقة بالدليل.. وكما جاء في قول الحق تبارك وتعالى ﵟقُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَـىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْﵞ ﵝسَبَإ : ﵖﵔﵜ .
قد لا نبالغ حين نقول أننا مجتمعات لا تعاني من نقص في الموارد.. بل فائض فيها.. ولا شح في الأرض.. بل شاسعة أراضينا.. ولا ضحالة في التاريخ.. بل نحن التاريخ والحضارة.. ولكن يلزمنا بعض من الفكر وشيء من الصحوة.. لنستعيد المورد والأرض والحضارة.
