الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

شعراء.. وغاوون

شعراء.. وغاوون

قالوا إن الشعر ديوان العرب! وتلك مقولة غاية في الشفافية والبلاغة! فالشعر هو ذلك الجزء من الأدب الذي يتداخل فيه صوت اللغة بمفرداتها ومعانيها لتنساب معها أفكار وأحاسيس قد تعجز عن مضاهاتها كل المفردات المعهودة في أي لغة كانت!
وقد خلق الإنسان بجاهزية فسيولوجية تجذبه قلباً وقالباً لكلمات الشعر وموسيقاه، فالطفل يغفو على أهزوجة توظف فيها موسيقى الكلمة وتندمج دمجاً سلساً مع المعنى اللغوي لتلك الكلمة! والناس بشكل عام يندمجون ويغرقون في الكلمة المصورة لحناً وموسيقى ونغماً، من خلال أبيات الشعر!
يغوص تاريخ الشعر في عمق التاريخ البشري، وقد استخدم الشعر في الغناء، وفي الأديان، بل وحتى في السحر! وهو – أي الشعر – سمة بشرية لا يقتصر وجودها على أمة دون الأخرى ولا شعب دون الآخر!
حضرت مؤخراً أمسية شعرية أقامتها رابطة الأدباء في الكويت بمناسبة يوم الشعر العالمي، وأحزنني واقع الشعر والشعراء في بلد أنجب عمالقة كفهد العسكر، وبن لعبون، وسليمان الهويدي وصقر الشبيب! فالحضور أقل من المتواضع، ومبنى رابطة الأدباء ينزوي خجلاً بين مباني الدولة الشاهقة والمنمقة بكل أشكال الإعداد والاستعداد! أما الشعراء فقد أهملهم الجميع، دولة وحكومة وناساً! ومكتبة الرابطة تكاد تختفي معالمها بفعل الأتربة والغبار! وثلة الشباب الشعراء التي أحيت الأمسية تسعى جاهدة لأن تحتل مكاناً ما في صدارة الأدب والثقافة!
لا تخلو الكويت من الشعر والشعراء، طالما بقي الغاوون يرصدونهم في كل مكان، لكن الكويت حتماً خالية من الرعاية والاهتمام بهؤلاء، وما أكثرهم، ينزوون في إصدارات يتيمة لم تفق لها الدولة بمؤسساتها بعد! وإلا كيف لا تكون لشاعر مثل نشمي مهنا يد تدفعه للكتابة والنشر، وهو الذي استدرجنا لبحر الخطيئة في إصداره اليتيم (البحر.. يستدرجنا للخطيئة)، كلمات تتفتح معها أعصى العقول، وتندفع باتجاهها كل القلوب، فهو القائل:
إن النهاية “باء” البداية
فاتحة القادمين
هو الموت برق يضيء بمشكاة هذي الخليقة
مفتتحاً خطوة في السديم
وكف تشد مقابض بوابة للعبور
وتنفض عنا غبار الخطيئة!
وأين رجال الثقافة والأدب من شاعر مثل علي الفيلكاوي، بلمساته الضوئية التي يقول فيها:
لك يا كويت..
لعروسة الخلجان..
باعثة الرؤى..
يا زورق الحرية الراسي على قمم الخليج..
يا وجهة الأرض التي نشتاقها..
يا جلنار القلب..
يا وطني..
يا وطن السلام..
لو بعثروا بسمائك الأحلام..
أو زرعوا بقلبك مدفعاً..
لو أحرقوا خصلاتك الزرقاء..
أو رجموا بصدرك مسجداً..
سنكون في عينيك..
نجماً خاشعاً بصلاته..
لهؤلاء؛ لنشمي مهنا، ولعلي الفيلكاوي، ولغيرهم من الشعراء المستترين بفعل الفوضى والتشويه اللذين طالا مملكة الشعر في الكويت، نقول: إبداعاتكم وكلماتكم ليست ملككم، بل هي حق مشاع لكل من تستدرجه لفظة الشعر وموسيقاه لأن ينطلق في عالم النشوة والارتقاء! كلماتكم المرسومة بموسيقى الشعر هي حق لتاريخ الشعر في الكويت، ومكانها الحقيقي ليس قلوبكم، بل أرفف المكتبات، وصدور الكتب!
حلمك يا نشمي مهنا الذي تقدمه كل مساء، ولا يتطاير منه شرر، آن أوانه لأن يتحقق، ولشرره لكي يتطاير، فالشعر باقٍ والشعراء مخلدون ما بقي في الكون غاوون!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى