الأرشيف

شعب لا يتحكم فيه المفسدون

[جريدة القبس 1/10/2022]

يوم الخميس 5 من ديسمبر من عام 2020 كان الدكتور أحمد الخطيب حاضراً بيننا، وقتها احتفلنا معه بإنجاز الشعب الكويتي، وذلك حين حقّقَت الانتخابات نسبة عالية من المشاركة، وهو ما يُعتَبَر من أهم معايير التقييم في أي انتخابات، هذا بالإضافة إلى ماكشَفَه الشعب الكويتي حينها من خلال مساهمته في الاختيار من أوراق مزورة ونوايا باطلة.
وقتها قال الدكتور الخطيب إن مثل هذا الإقبال والإصرار من قِبَل المواطنين، خصوصاً شريحة الشباب منهم، ما هو إلا رد صارم وموقف صلب ضد قوى الفساد السياسي والمالي والإداري، فالإصلاح الحقيقي والمستدام يبدأ بيد المواطن أولاً، وليس من فوقه.
اليوم يتكرّر مشهد 5 ديسمبر 2020 الجميل بنسخته الجديدة الصادرة في 29 سبتمبر 2022، ومن جديد يُعلِن أبناء وبنات الشعب الكويتي عن إصرارهم على مواصلة معركتهم ضد الفساد، فأسقطوا بعض الأسماء ممن ارتبط ذكرهم بملفات الفساد الإداري والمالي والسياسي، وأعادوا إلى قاعة عبدالله السالم أسماء جديدة تغطي كل مشارب المجتمع الكويتي السياسي، قد نختلف مع خط بعضهم السياسي، لكن يجمعهم قاسم مشترك بكونهم غير ملوّثين بأيادي وأموال الفاسدين، وبأنهم مِمَنْ سَيَصون القَسَم النيابي ويذود عن مصالح الشعب وثرواته وحقوقه.
لقد قَطَعَ الناخب الكويتي في انتخابات 29 سبتمبر 2022 الطريق على الكثير من المهرّجين والمُتَسَلّقين الذين طالما شوّهوا العملية الانتخابية وانتهكوا ثقافة الانتخاب والترشّح.
الشباب الذين احتفظوا بمقاعدهم، وأولئك القادمون الجُدَد هم نتيجة وإرث المخضرمين الأوائل الذين كان هاجسهم المحافظة على استمرارية التجربة، والتي بدورها ستُنقّح نفسَها بنفسِها، تلك كانت إحدى وصايا الدكتور أحمد الخطيب، وهي النهج الذي سار عليه عبدالله النيباري، ومحمد المرشد، وسامي المنيس، وجاسم القطامي، والدكتور خالد الوسمي (أطال الله في عمره) وغيرهم من قامات وطنية نسترجع ذكراها عند كل انتخابات، وعند أي إشارة للدستور والحريات بكل أوجهها.
في كلمة له عام 1992 عند افتتاحه مقر الراحل مبارك العدواني قال الدكتور الخطيب فيها “إننا لن نطمئن على بلدنا إلا إذا استوعبنا الدرس الأول وهو أنه بغياب المشاركة الشعبية باتخاذ القرار، تحدُث المصائب والنكبات، ولعل في تاريخنا الحديث دليلاً على ذلك، فلدينا كارثة المناخ الأولى والثانية، إضافة إلى كارثة الاحتلال، وكلها حَدَثَت أثناء غياب المشاركة الشعبية، والتي حدّدها دستور 1962، ومن هنا فإن حماية الكويت تأتي من خلال الالتزام بالدستور، وبرأينا فإن الدستور لا يعني الانتخابات أو مجلس الأمة فقط. إنما أصبح وجودنا يعتمد على هذا الدستور، ودونه تحدث الكوارث، ولذلك فإن الدفاع عن الدستور هو دفاع عن وجود البلد والشعب، وبهذا يصبح من واجبنا جميعاً حماية الدستور كما يجب ألا نسمح لأي كان بأن يمسّه ولو بشعرة” انتهى.
ما قاله الدكتور أحمد الخطيب يؤكد أن العملية اليوم أصبحت ثقافة وليست مجرد عملية انتخاب وترشّح، وها هو غَرس الدكتور يُثمِر شباباً دخلوا المُعتَرَك السياسي مُحصّنين بالدستور، وليَمتَد غرسه إلى وعي المواطن الذي عمل بنصيحة الدكتور حين قال “إذا لم نكافح الرشوة في الانتخابات، فقد تأتي دول وتشتري الكويت”، فتداعَت الجموع إلى المقار الانتخابية لِتُسقِط مرتشين وفاسدين. وبدا ذلك واضحاً في تراجع أرقام بعضهم وسقوط بعض آخر.
انتخابات 2022 هي امتداد لمعركة الشعب ضد قوى الفساد، والذي أصبح بمنزلة الغزو الداخلي المُهَدّد لكيان الدولة، وما إصرار الشعب الكويتي على المشاركة في الانتخابات الأخيرة إلا ليقينه بدوره الأساسي في تصحيح المسار وحتى لا تَتَحوّل الكويت من دولة فيها فساد إلى دولة يتحكّم فيها المُفسدون.
ألف مبروك للشعب الكويتي ومبروك كبيرة لشبابنا في كل الدوائر، والكويت بانتظار مرحلة جديدة تُدوّن إنجازاتها فوق أوراق بيضاء خالية من التزوير.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى