
كان السؤال الأول الذي تساءله الجميع في صبيحة الثاني من أغسطس 1990، هو عن مسؤولية ما يحدث، ومن المسؤول فيما يحدث، وأين الدولة، أين الجيش!! كان هنالك غضب عارم يبحث عن منفذ واتجاه، وبقي ذلك السؤال دفيناً في قلب كل منا! لا لحقد يحاصرنا ولا لرغبة في انتقام، لإحساس مفاجئ بالمسؤولية تجاه الحدث، ولوعي تنامي وتفجر مع تصاعد زعيق القذائف ودوي المدافع. ومع عودة الحياة والحرية، شكلت لجنة تقصي الحقائق بهدف الاستجابة لذلك السؤال الذي لا يزال دفيناً في قلوبنا.
وتجاوباً مع ذلك الحس والشعور الوطني.. نشرت “الطليعة” في عددها الصادر بتاريخ 22 مايو، أولى حلقات التقرير العسكري للجنة تقصي الحقائق، مستعرضة مقتطفات مهمة منه وملخصات عنه، وذلك بما يتفق والسعة المكانية للجريدة، حيث يأتي التقرير في 550 صفحة.
وعلى الرغم مما يفترض أن يوفره التقرير من إجابة وافية وشاملة لسؤالنا الدفين منذ فجر الثاني من أغسطس إلا أن هنالك وللأسف الشديد، من لا يزال مصراً ومؤمناً بسياسة التضليل والتمويه، مما دفع بإجراء تعسفي جديد ضد “الطليعة” وذلك بإحالتها للنيابة لنشرها التقرير!!
التقرير العسكري للجنة التقصي ليس تقريراً سرياً، أو كما هو مفروض وكما يمليه الهدف الأساسي من تأسيس لجنة التقصي. فلقد تناقلته وكالات الأنباء، وخرج بذلك إلى أذن وعين المواطن! فهو أساساً وضع للإجابة عن تساؤل المواطن قبل أن يكون استجابة لتساؤل واستفسار المسؤول، ولقد حوى التقرير في تفاصيله الكثير من الفضائح السياسية والعسكرية، التي تعكس حقيقة الموقف الذي كانت عليه القيادة السياسية والعسكرية في ذلك الحين، خاصة ما يتعلق منها بأسلوب التعاون المرتجل والضعيف بين القيادتين والذي أدى وكما يذكر التقرير في بعض أجزائه إلى خلط وفوضى في الصلاحيات، دفع إلى عجز فاضح عن إدارة الموقف.
التقرير إذن ليس بعمل سري، والتفاصيل التي وردت فيه ليست مفاجأة، بل هي أمور بديهية ومتوقعة! بل ومن الطبيعي جداً أن يدين التقرير جهات محددة، وأن يتحمل البعض مسؤولية ما حدث، فأساس عمل لجنة التقصي هو في تحديد المسؤولية، وإدانة العناصر المقصرة حينها، لا تبرئة والدفاع عن أحد.
وهي مسؤولية قد نكون أيضاً مقصرين بشأنها لو نحن تجاهلنا حقنا في التقرير، ليس لثأر يتملكنا ولا لانتقام يسيطر علينا، فالأذى قد طال الجميع، ولم يسلم منه أحد، بل ليقين ووعي اكتنفا المواطن، وإحساس بمسؤوليته المباشرة فيما حدث: فالتنازل عن الحقوق هو ذنب لا يقل عن ذنب التراجع والتنازل عن الواجبات. ونحن جميعاً أذنبنا بتهاوننا عن إدارة الموقف، ولو من خلال تشكيل لجنة شعبية يومها.. تتوجه إلى القيادة السياسية برأيها في كيفية تدارك الموقف، والذي لم يتفجر صبيحة الثاني من أغسطس وحسب، بل كانت له دلالات ومؤشرات واضحة وماثلة للعيان. ولعله من باب المسؤولية ذاتها هو ما دفع بـ”الطليعة” لأن تنشر تفاصيل التقرير العسكري للجنة التقصي، مسؤولية إعادة الوعي، والتوعية بالحقوق هي لا شك أولى مهام الصحافة الوطنية، وإن كان الثمن إدانة وتحقيقاً ونيابة!
إدانة “الطليعة” هذه المرة لإعلانها الحقيقة، هي عودة من جديد إلى الوراء، فلقد كانت سياسة التمويه وطمس الحقائق من أبرز سلبيات مرحلة ما قبل الكارثة. ويكفينا ما دفعناه دماً ورعباً وألماً من جراء ذلك النهج، وتلك العلاقة الخطأ والغامضة بين الشعب والقنوات الرسمية في الدولة!
من الصعب جداً أن يتجاهل أحد منا مواطناً كان أم مسؤولاً تفاصيل يوم الثاني من أغسطس، ومن العدل كل العدل أن يطلع المواطن على مكامن التقصير وشخوصه، فالذي انهار يوم الثاني من أغسطس ليس شركة ولا سوقاً، بل دولة تحوي شعباً وبناءً وماضياً وأحلاماً وطموحات!
مبادرة “الطليعة” إذن بنشر تقرير لجنة التقصي هي دعوة لبدء مرحلة سوية من نقد الذات لا جلد الذات، وكما يتهيأ للبعض أن يكون ذلك هو مرمى وهدف “الطليعة” من وراء نشرها تفاصيل التقرير.
نحن الآن بالفعل بحاجة لنقد الذات هذا خاصة بعد أن تطاولت أمواج البحر الهادر من تحتنا، وتناثرت أشلاء سفينتنا الأولى وتحولت إلى زوارق صغيرة فالسنوات الست الماضية لم تربك الذاكرة، بل ما زال مخزونها من الخوف والتوجس كبيراً، ولعلها تلك الرغبة في طرد الخوف، هي ما يدفع بي، وبك، وبنا جميعاً لأن نصر على أن نعرف ما حدث في ذلك اليوم. ليس لرغبة في انتقام وكما ذكرنا مسبقاً، بل إيماناً بحقوق طالما أسرفنا فيها، ويقينا بأن أولى دلالات النهار هو شعاع الشمس الساطع، وبأن أهم خطوات البناء هي القاعدة الصلبة السليمة!!
