
عاشت الكويت على مدى الشهرين الماضيين سخونة في الأجواء السياسية وصلت إلى حد التشنج في بعض الأحيان.. وكما حدث في قضيتي تأبين “مغنية”.. ومطاردة الفرعيات ومنظميها، ولا يخفى على أحد أن التطرف كان سيد الموقف في التعامل مع تلك القضيتين ومن كل الأطراف بلا استثناء! ليبقى بذلك السؤال الحائر.. لماذا الآن؟
لماذا فتحت الحكومة فجأة ملف الإسلام السياسي الشيعي؟! ولماذا أدركت الحكومة – وأيضاً فجأة – خطر وخطأ الانتخابات الفرعية؟ ولماذا قررت وبحماس الحفاظ على ممتلكاتها من زحف المنتهكين؟ ولماذا انتبهت ومن دون أي مقدمات لتجار الأصوات والذمم؟ هنالك أكثر من “لماذا” في الوضع الراهن تقف شاغرة.. الإجابة بانتظار ما ستسفر عنه تداعيات الأحداث في (العرس) الديمقراطي الذي صار خالياً من أدنى سمات الفرح بعد أن أصبحت الأوضاع مقلوبة.. والعناوين مبهمة.. بصورة ضاعت بفعلها حيلة المواطن الذي لم يعد قادراً على أن يميز بين المواقف الوطنية البحتة.. والحقيقية.. وبين الابتزاز السياسي والطموحات قصيرة الرؤية والهدف!!
في ظل ظروف مقلوبة كهذه.. تبرز التكهنات والشائعات لتشكل مخارج من تلك الفوضى والضبابية، ويستعين المواطن وكالعادة بنظريات المؤامرة واللعب خلف كواليس المشهد لعله يدرك شيئاً من الحقيقة!
هنالك وبكل تأكيد ربكة وفوضى في ساحة الانتخابات الراهنة. ليس بسبب حسبة الدوائر الخمس الجديدة.. وإنما بسبب حسبة المتلاعبين والمخربين الذين كانت لهم أدوار مشبوهة من كل انتخابات! هذه المرة.. وبسبب اتساع الدوائر.. فإن المال السياسي وحده لن يحسم المعركة الانتخابية وبشكل مُرض لصالح هؤلاء المخربين.. لذلك فقد تطلبت استعداداتهم هذه المرة مهارة وحبكة ستؤمن لهم يداً وذراعاً في كل تجمع.. ومع كل طائفة.. وتحت لواء كل قبيلة.
ولكي تكون الصورة أكثر وضوحاً.. فلنعد قليلاً بالذاكرة لنراقب وبعين أكثر يقظة.. كل محطات الإثارة التي شهدتها الساحة الكويتية في الآونة الأخيرة.. والتي كانت وراءها حتماً أياد وأصوات خفية.. إن لم تكن صنعتها.. فقد كانت جزءاً من إثارتها بالشكل الذي أدى إلى فوضى وقصور في التعامل معها ومن كل الأطراف! محطة تأبين “مغنية” كانت أولى المحطات لشرخ وحدة التيار الوطني.. وإذا كان المؤبنون قد تطرفوا في طرحهم.. وبشكل رآه البعض تهديداً لوحدة وتماسك المجتمع الكويتي.. فإن (المعارضين) للتأبين.. قد أحدثوا شروخاً غائرة.. وأعمق بكثير من تلك التي أحدثها المؤبنون.. وذلك حين لعبوا وبشراسة وتطرف حقيقيين لعبة السنة والشيعة.. في مجتمع حرص وعبر تاريخه على تجسيد وممارسة كل سمات التسامح والقبول.. محتضناً كلا الطائفتين تحت لوائه.
انتهى المخربون من الشيعة.. وتحولوا سريعاً إلى القبيلة.. التي أصبح ولاؤها القبلي وفجأة.. مهدداً للديمقراطية.. وللتجرد في الممارسة الانتخابية.. فحدث ما حدث من مواجهات.. لكن الخاسر فيها وحدة المجتمع الكويتي.. وانسجامه وتآلفه.. في سبيل فتح الطريق أمام المخربين في معركتهم ضد التيار الوطني في الكويت.. الذي استسلم وبكل أسف للخدعة.. فخلت قوائمه وتحالفاته من القبائل والشيعة بخلاف ما كان قائماً منذ أول انتخابات شهدتها الكويت!
في عرف المخربين.. كان حسم المعركة يشترط شرخ التحالفات الوطنية المعروفة في الكويت.. ومن ثم تحميل التيار الوطني.. والمواطنين مسؤولية إنهيار الممارسة والحس والوعي بالديمقراطية في الكويت.. وهم بلا شك قد نجحوا في ذلك.. لكنه حتماً سيكون نجاحاً منقوصاً.. لأن الثمن سيكون الكويت.. وطن الجميع.. للسنة مساحة فيه تماماً كما للشيعة.. وللقبيلة.. لكن لا مكان فيه للمخرب!
