
هل خرجت قضية تأبين مغنية عن نطاق السيطرة؟ نتمنى ألا يكون ذلك صحيحاً، لأن الثمن في هذه الحالة سيكون باهظاً، وستمس إسقاطاته الجميع وبلا استثناء.
القضية – إن صح أن نسميها قضية – أثارت أكثر من مسألة، أولاها أنها أثبتت ومن كل الأطراف، أننا لانزال بعيدين كل البعد عن ثقافة التسامح واحترام الرأي الآخر، والحس الديمقراطي بشكل عام، فبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع التأبين، نستطيع القول إن كل الأطراف قد تناولت القضية بشكل متهور وغير عقلاني، فالمؤبنون أثاروا ما أثاروا من استياء وتحفظ على إقامتهم مجلس تأبين لشخص مطلوب دولياً وليس على نطاق الكويت وحدها. وفي المقابل، انتهج المعارضون نهجاً متطرفاً في تأجيج الشارع والمشاعر بصورة أصبحت تنذر بمخاطر جسيمة.
وفي خضم ذلك الجدل، تنازل الجميع عن كل ما تعلمناه في سنوات ديمقراطيتنا الغضة من تسامح وقبول للآخر، واحتواء للخلاف والاختلاف! وبحيث كشف هذا الجدل عن رواسب لمقومات صراع تصورنا أننا كمجتمع واحد ومتجانس، قد تجاوزناه.
أما ثاني تلك المسائل، فهي في الصدمة التي تملكتنا جميعاً إزاء غياب المبادرة الحكومية للسيطرة على أي انفلات للأمور قد يحدث، فتداعيات التأبين ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه من انشقاق وتدهور طال لحمة المجتمع، لو كانت هنالك حكمة وصحوة حكومية للقبض على زمام الأمور، بدلاً من ترك القضية للشارع وللصحافة يديرانها ويؤججانها لأغراض قد لا يكون من ضمنها إنقاذ وحدة الصف وتهدئة الأمور، خاصة في ظل نشاط بعض الأطراف التي لا تستطيع الاستمرار إلا في أجواء التوتر والانشقاق والفوضى.
أما ثالثة تلك المسائل فقد برزت من خلال ما أكدته تداعيات التأبين بأن الخسارة دائماً ما تكون مضاعفة حين يتم تحويل الدين والعقيدة من معتقد خاص وشخصي، إلى مشروع سياسي، غالباً ما يدعي أنه وحدة المالك للحقيقة!
والأطراف التي اختلفت حول «التأبين» كانت كلها تتحرك من منطلق سياسي بحت، وإن جاء عنوانه «الدين والعقيدة» ولكن زوراً!
السؤال هنا، والذي يبادر به الكثيرون، يتعلق باحتمال تطور الأمور وتصاعد حدتها، لتتحول الكويت إلى لبنان آخر تعتصره قبضة الطائفية البغيضة! واحتمال الإجابة هنا بنعم واردة، لكن التوقيت لم يحن بعد! لكن الصمت عن استفحال الوضع ووصوله إلى مرحلة حرجة قد يعجل بالتوقيت، وهو أمر نتمنى أن يدركه الذين بيدهم الحل والعقد لكي لا نصل إلى طريق مسدود!
إذا كان التعصب للمذهب أو العقيدة هو الذي دفع المؤبنين لإقامة «مجلس التأبين»، فإن القمع والترهيب هما الأداتان اللتان استخدمهما الطرف الآخر في الحوار. وكلاهما مرفوض، وخطر، بل قد يؤدي استمرار كلا النهجين إلى شروخ حادة وخطرة في المجتمع، قد يكون من الصعب جداً ترميمها وإصلاحها، وإذا كانت الكويت الآن قادرة على تجميل مثل هذه الشروخ بفضل الوفرة المالية، والرفاه الذي يؤمن للمواطن سكناً وطعاماً وعملاً، فإنها حتماً ستعجز يوماً ما عن مواراة تلك الشروخ! عندها فقط سيدرك الجميع، وستعلم كل الأطراف كم كان ذلك النهج المتعصب من جهة، والقمع من الجهة الأخرى، خياراً خاطئاً ومؤلماً!
